أحوال شخصيةاخبار مسيحيةالأردن

القس سهيل مدانات يودع خاله غسان عويس في دبيين

في كلمة عاطفية وروحية في ان واحد ودع القس سهيل مدانات رئيس الطائفة المعمدانية خاله غسان ايوب عويس السبت 21 اب 2021 في جنازة عائلية في مسقط راس الفقيد وذلك في ساحة الكنيسة المعمدانية في قرية دبين.

وقال مدانات في كلمة الوداع:

عندما تكون الحياة في حلوها وفرحها وراحتها، نحب أن نفكر بأنها سوف تستمر هكذا، ونذهب إلى بيت العزاء وكأنه أمر يصيب غيرنا فقط. لكن عندما يقترب الألم والموت من أحبائنا، نبدأ بالتفكير بالأمر بجدية، ونتساءل: لماذا؟ لماذا لا تبقى الأمور بهذه المتعة؟ لماذا المرض، ولماذا الموت؟ لماذا ينتهي هذا الحلم الجميل؟ الموت هو ذاك الذي يصفّر كل شيء، يصفّر كل إنجازاتك في الحياة مهما عظمت، ويحول أفراحك ومتعك مهما حلت إلى حلم، إلى صفر، وما سينتهي بالصفر غداً قيمته اليوم صفر. لذلك يقول الكتاب واصفاً الحياة من دون الله: “بَاطِلُ ٱلْأَبَاطِيلِ، ٱلْكُلُّ بَاطِلٌ. مَا ٱلْفَائِدَةُ لِلإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ تَعَبِهِ ٱلَّذِي يَتْعَبُهُ تَحْتَ ٱلشَّمْسِ؟ … ٱلْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ ٱلرِّيحِ.” إذاً لماذا الألم والموت إذا كان هناك إله صالح محب؟ الله محبة، ولذلك خلقنا الله لعلاقة حب. ولكن الحب لا يُفرَض ولا يُشترى، بل هو خيار حر. ب بلايينك تقدر أن تشتري ألف امرأة، ولكن بلايينك لن تقدر أن تجعل امرأة واحدة منهن تحبك بصدق. والحاكم المتجبر يقدر أن يجعل الشعب كلَّه يهتف بحياته، ولكنه لن يقدر أن يجعل واحداً منهم يحبه بصدق. الحب خيار حر. ولأن الله أراد إنساناً يحبه بصدق أعطاه الحرية، وسمح بوجود نقيضه، وأعطاه الخيار، وأنذره بالعواقب الطبيعية: إما أن يتبع الله منبع الحياة والخير فيحيا ويفرح بخيره، أو أن يرفضه ويحيا بدونه، أي بدون مصدر الحياة والخير. 

واختار الإنسان أن يحيا مستقلاً عن الله، فحلت الويلات بالأرض وقال له الله: “‏مَلْعُونَةٌ ٱلْأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، … بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ”.

اليوم نودع على رجاء القيامة غسان، الزوج والأب والأخ والعم والقريب، وخالي الحبيب. خالو غسان كان نشيطاً لا يعرف الكسل، وذكياً متقِناً لعمله، ومع كل ذلك متواضعاً يعمل وينجز من خلف الستار. كنت أسمع زملاءه في العمل يفتخرون أمامي بإنجازاتهم، أحياناً على حسابه، بينما هو يعمل صامتاً وينجز راضياً بلا تبجح ولا انتفاخ. كان يرى العمل عبادة، كما قال الحبيب زياد. ومع كل نجاحه لم يتكبر، بل بقي ابنَ القرية، ابن دبين الوفي، لا تغنيه الدنيا عن جمال كرومها وحلاوة تينها وبركة زيتونها وكبرياء لزابها وجمال دحنونها. كان هنا يوم الجمعة الماضي يتأملها في غمر فرح طفولي، وكان يسأل نبيلة إن كان سيعود إليها الأسبوع القادم، وها هو يعود اليوم ليستريح في أحضانها وبين أشجارها مع من سبقه من أحباء،”

فيما يلي الكلمة الكاملة للقس سهيل مدانات:

عندما تكون الحياة في حلوها وفرحها وراحتها، نحب أن نفكر بأنها سوف تستمر هكذا، ونذهب إلى بيت العزاء وكأنه أمر يصيب غيرنا فقط. لكن عندما يقترب الألم والموت من أحبائنا، نبدأ بالتفكير بالأمر بجدية، ونتساءل: لماذا؟ لماذا لا تبقى الأمور بهذه المتعة؟ لماذا المرض، ولماذا الموت؟ لماذا ينتهي هذا الحلم الجميل؟ الموت هو ذاك الذي يصفّر كل شيء، يصفّر كل إنجازاتك في الحياة مهما عظمت، ويحول أفراحك ومتعك مهما حلت إلى حلم، إلى صفر، وما سينتهي بالصفر غداً قيمته اليوم صفر. لذلك يقول الكتابواصفاً الحية من دون الله: “بَاطِلُ ٱلْأَبَاطِيلِ، ٱلْكُلُّ بَاطِلٌ. مَا ٱلْفَائِدَةُ لِلإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ تَعَبِهِ ٱلَّذِي يَتْعَبُهُ تَحْتَ ٱلشَّمْسِ؟ … ٱلْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ ٱلرِّيحِ.” إذاً لماذا الألم والموت إذا كان هناك إله صالح محب؟ 

الله محبة، ولذلك خلقنا الله لعلاقة حب. ولكن الحب لا يُفرَض ولا يُشترى، بل هو خيار حر. ببلايينك تقدر أن تشتري ألف امرأة، ولكن بلايينك لن تقدر أن تجعل امرأة واحدة منهن تحبك بصدق. والحاكم المتجبر يقدر أن يجعل الشعب كلَّه يهتف بحياته، ولكنه لن يقدر أن يجعل واحداً منهم يحبه بصدق. الحب خيار حر. ولأن الله أراد إنساناً يحبه بصدق أعطاه الحرية، وسمح بوجود نقيضه، وأعطاه الخيار، وأنذره بالعواقب الطبيعية: إما أن يتبع الله منبع الحياة والخير فيحيا ويفرح بخيره، أو أن يرفضه ويحيا بدونه، أي بدون مصدر الحياة والخير. واختار الإنسان أن يحيا مستقلاً عن الله، فحلت الويلات بالأرض وقال له الله: “‏مَلْعُونَةٌ ٱلْأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. ‎وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، … بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ”.

والله في هذا لم يظلم. فأجرة الخطية موت، أي انفصال أبدي عن الله لأنه قدوس. أعمالك الصالحة لن تنقذك من حكم الموت كما ينص قضاؤنا الأرضي نفسه. فلو أنفق القاتل كل ماله في أعمال خيرية لن يُلغى الحكم. خطية واحدة تكفي للحكم ولا ميزان للأعمال. فلو قطعت إشارة السير الحمراء مرة واحدة ستدفع المخالفة، حتى لو التزمت بالإشارة ألف مرة بعدها. لا بد من دفعها، إلا إذا جاء آخر ودفع الدَين عنك. دَينك عند الله ليس مالاً، بل هو حياتك، لأن أجرة الخطية موت، إلا إذا أتى آخر ودفع الدين عنك، دَين حياتك. لكن من يفدي حياتك بحياته؟ وأصلاً من يقدر أن يدفع دينك، حتى لو أحبك ما دام الكل أخطأوا وما دام كل إنسان مديوناً بدين خطيته؟ لا أمل ولا رجاء. 

ولكن الله يحبك لأنك صُنع يديه، فأرسل الحل الوحيد الممكن. تجسَّد الله الابن، الوحيد بلا خطية وبلا دين، ودفع دينك على صليب هو أصلاً لي ولك، بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلْأَبَدِيَّةُ. ثم قام بجسده في اليوم الثالث ووعد بقيامة مماثلة كل من قبِل موته عنه. إن قبلت المسيح رباً ومخلصاً تنطلق روحك عند الوفاة إلى الفردوس في محضر المسيح بانتظار مجيئه الثاني. يومها سيقيم جسدك بلحمه وعظمه، ولكن بدون مرض أو ألم أو موت، يقوم جسداً ممجداً رائع الجمال كجسد المسيح المقام ليحيا إلى الأبد على أرض جديدة، أرض حقيقية لكن بدون لعنة السقوط، بلا مآسي ولا أمراض ولا شرور، بل تتألق بمجد بديع، ‏مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنـْسَانٍ، في محضر الله المحب: “وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ … وَلاَ يَكُونُ لَيْلٌ هُنَاكَ … لأَنَّ ٱلرَّبَّ ٱلْإِلَهَ يُنِيرُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ سَيَمْلِكُونَ إِلَى أَبَدِ ٱلْآبِدِينَ”.

إذاً الخلاص من الموت الأبدي هو نعمة مجانية من الله، ما عليك سوى قبولها. في لحظة تُغفر خطاياك مهما كان ماضيك وتصبح خليقة جديدة في المسيح، يعطيك شيك القيامة والمجد، مكتوب باسمك ومختوم بدم المصلوب الذي أحبك. تتغير حياتك وأعمالك جذرياً وتحيا أيامك بلا خوف ولا قلق، بل تعلم أن المسيح يمسك بيدك ويقودك كل خطوة في طريق الحياة، ثم يحملك إلى حياة مجد أبدية. الله موجود، والأدلة قاطعة علمياً ومنطقياً، والمسيح أتى وصلب وقام فعلاً، والأدلة التاريخية قاطعة، وأنا درستها بعناية. لا تدع أحداً يخدعك باسم العلم. مات المسيح عنك، فلا تمت. 

اليوم نودع على رجاء القيامة غسان، الزوج والأب والأخ والعم والقريب، وخالي الحبيب. أحببناه من كل قلوبنا لأنه أحبنا من كل قلبه. غمرنا أنا وإخوتي منذ الطفولة، كباقي أخوالي الأحباء وقبلهم جدتي أم وهدان، بغمر من حب أثر فينا إلى اليوم، حب لن ننساه. نتذكر الخالو غسان فنتذكر وداعته وهدوءه وابتسامته القلبية وبريق حب كبير يشع من عينيه؛ نتذكر شخصاً شاكراً لا يتذمر ولا يشتكي. نتذكر الراحل الغالي فنقف احتراماً لرفيقة دربه الوفية نبيلة وهي تعتني به في مرضه الطويل بكل صبر ورضى، وتغمره بحبها وحنانها ودفء ابتسامتها. نتذكر الراحل الحبيب فنتذكر زياد وندين وهما حوله يغمرانه بالحب فيردان له شيئاً ولو يسيراً من حب غمرهما به منذ فتحا أعينهما على الدنيا. عرفته في بداية عملي الهندسي عن قرب، مجتهداً بلا حدود، نشيطاً لا يعرف الكسل، وذكياً متقِناً لعمله، ومع كل ذلك متواضعاً يعمل وينجز من خلف الستار. كنت أسمع زملاءه في العمل يفتخرون أمامي بإنجازاتهم، أحياناً على حسابه، بينما هو يعمل صامتاً وينجز راضياً بلا تبجح ولا انتفاخ. كان يرى العمل عبادة، كما قال الحبيب زياد. ومع كل نجاحه لم يتكبر، بل بقي ابنَ القرية، ابن دبين الوفي، لا تغنيه الدنيا عن جمال كرومها وحلاوة تينها وبركة زيتونها وكبرياء لزابها وجمال دحنونها. كان هنا يوم الجمعة الماضي يتأملها في غمر فرح طفولي، وكان يسأل نبيلة إن كان سيعود إليها الأسبوع القادم، وها هو يعود اليوم ليستريح في أحضانها وبين أشجارها مع من سبقه من أحباء، جدي أيوب وأم وهدان وأبو ذيب وسليمان ورامي وهند ووهدان ووفاء؛ نحبكم جميعاً، ونحبك، خالو غسان.  

الفقيد غسان ابيوب عويس
زر الذهاب إلى الأعلى