تحقيقاتفلسطينمقالات حصرية

أسباب هجرة المسيحيين الفلسطينيين

  • بقلم: مايكل سعادة

ليس بالضرورة ان تكون دائماً أسباب الهجرة عند الافراد او الجماعات مثار بحث او اهتمام من قبل العامة. ولكن بسبب الوضع المتسارع لتناقص اعداد المسيحيين بالأرض المقدسة فإنني هنا ارفع الراية عالياً وادق ناقوس الخطر بسبب تفاقم هذه المشكلة والتي تؤثر على وجودنا كمسيحيين على امل ان تلقى اهتماماً من كل المعنيين بالقضايا المتعلقة ببقاء سلالة المسيح حية في وطنها. والحديث عن الهجرة بالمفهوم المطلق مرتبط بتطور الانسان وظروف معيشته والبيئة المتغيرة بحياته والتي تفرض علية الانتقال من مكان لمكان اخر اكثر توافقاً وامناً ، وبما اننا نتكلم هنا عن المسيحيين الفلسطينيين او كما يحلو للبعض تسميتهم “الحجارة الحيّة” فان الموضوع مرتبط بعوامل وأسباب وحيثيات خاصة فرضت نفسها على الواقع الفلسطيني لأسباب سياسية ودينية واستراتيجية لها علاقة مباشرة بجغرافيا فلسطين.

ولكي أكون أكثر واقعية يجب ان أوضح ان الهجرة نوعين:

1)  هجرة اختيارية:  وهي الهجرة المرتبطة بمحاولة تطوير الفرد او الجماعة لنفسها عن طريق التجارة مع دول ومجتمعات أخرى لبناء أواصر وعلاقات تجارية وتعليمية تساعدهم بجني الأرباح . ولعل خير مثال على ذلك هو بناء الكثير من البيوت الكبيرة الفخمة والمؤسسات بمنطقة بيت لحم والقدس ورام الله وطبعا يافا وحيفا والناصرة وغيرها من قبل مغتربين مسيحيين هاجروا من فلسطين بالفترة الواقعة ما بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين وكانوا ضمن التجار المحترفين بأمريكا اللاتينية وامريكا الشمالية وغيرها او للبحث عن أماكن جميلة وفيها وفرة للعمل والفرص او تمتاز بمناخ مناسب .

2) هجرة قسرية اجبارية: وعادة تكون جماعية أكثر منها فردية، وهي ناجمة عن شعور عارم بالخطر والتهديد والخوف من التنكيل او القتل عند نشوب حروب وتدمير البيوت والممتلكات وطرد وتشريد الناس وتهديد حياتهم بشكل جدّي. وحينها يكون التهجير والتشرد كما حصل عام 1948 بشكل خاص، وسوف أوضح أكثر عن هذا الموضوع عند الحديث عن الأسباب المباشرة لهجرة المسيحيين من فلسطين.

ان أسباب الهجرة متعددة وكثيرة منها ما هو رئيسي وما هو ثانوي ولكن يمكن ان نتحدث عن ثلاثة أسباب رئيسية مباشرة:

أولاٌ الأسباب السياسية: وكي لا اطيل سوف أركز على نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948، فقد تم تشريد وتهجير أكثر من 800 ألف فلسطيني عن ديارهم، وما لا يعرفه الكثير من الناس ان 100 ألف مسيحي من حيفا ويافا واللد والرملة وصفد وغيرها كانوا من ضمن المهجرين والمشردين بتلك النكبة، ولكم ان تتخيلوا كم صعبة كانت هذه النكبة علينا ونحن أصلاً اقلية فقدت الكثير.

ومنذ ذلك الوقت حتى أيامنا هذه كان الوضع السياسي والمرتبط بالاحتلال يزيد من صعوبة الحياة وتعقيداتها وقيودها، فالسفر مقيّد وصعب والحركة كذلك والحواجز العسكرية أصبحت أكثر تشديدًا، لا بل أصبح الناس يعيشون في حصار عسكري مباشر. ومن بداية الالفية الثانية تم إتمام الحصار ببناء الجدار الفاصل ما بين الضفة الغربية وإسرائيل مما زاد من احباط وقيود الناس وخاصة المسيحيين الذين يعملون ويدرسون ويتاجرون مع القدس ومناطق أخرى.

ثانياً الأسباب الاقتصادية: اذا نظرنا نظرة عامة للمسيحيين فإننا نلاحظ انهم يتبؤون مناصب إدارية وعلمية وبشكل خاص تجارية وصناعية مؤثرة بالمجتمع. وبما ان فلسطين هي ارض مقدسة فالسياحة هي عمودها الفقري والمسيحيين هم رواد السياحة وصناعتها. وعند الحديث عن هجرة المسيحيين الفلسطينيين وخاصة بفترة الثلاثين سنه الماضية فان الهجرة بمعظمها مرتبطة بمنطقة بيت لحم والقدس بشكل خاص وهذا له علاقة بنفس الموضوع , فمثلًا هناك فنادق ومطاعم سياحية من جهة ومصانع خشب الزيتون والصدف لصناعة المجسمات والتماثيل والرموز الدينية المسيحية ومحلات بيع التحف والخزف وغيرها وكل ما ذكر هو احتراف مسيحي بامتياز. ولكن بناء الجدار من ناحية والتشديد بإجراءات الامن اثرت ودمرت القطاع السياحي والذي هو عصب حياة المسيحيين وبالتالي دمرت حياة ومستقبل الناس ، وخلال العشرين سنه الأخيرة هاجر الالاف من المسيحيين المحليين ومن اخوتنا السريان من منطقة بيت لحم لأسباب اقتصادية ضربت أعمالهم واشغالهم .

ثالثاً أسباب عامة متنوعة: بعض الافراد هاجروا لأسباب ثقافية ونفسية مثل تغيير البيئة والابتعاد عن التوتر والضغط النفسي، والبعض يطمح بإيجاد حياة بالمهجر تكون أكثر امنا وتقديرا لهم ولأبنائهم. كذلك يقول البعض ان فرصة التمتع بالحياة دون عوائق والحصول على فرص متساوية بالحقوق والامكانيات مع الثقافات الأخرى هو امر وارد وممكن أكثر بالمهجر.

ان هجرة المسيحيين في الدول المجاورة مثل لبنان والعراق وسوريا ومصر قد ارتبطت بشكل خاص بالحروب الطائفية والدينية والعنف ضد المواقع والرموز الدينية، الا ان ظروف فلسطين مختلفة وليست مرتبطة باضطهاد ديني حتى لو برزت أحياناً بعض الصراعات والخلافات الدينية هنا او هناك.

أخيرا نقول ان هجرة الانسان والعقول المتميزة وأصحاب المراتب والمواهب وحتى الناس العاديين من المسيحيين هو خسارة لقيم وفسيفساء وتميّز هذا الوطن، وهنا لابد من القول انه رغم كل الأسباب الموضوعية وغير الموضوعية للهجرة يجب ان نصبر ونتحمل صعوبة الحياة، ولربما قد قُدّر لنا ان ندفع ثمنا للصمود والبقاء بهذه الأرض المقدسة ولكن لنرفع الصوت عاليا لرجال الدين والمؤسسات المعنيّة بالمسيحيين والدول التي تهتم بشؤون الحجارة الحية او ما تبقى منها كي تحافظ على وجودنا وتقدم الدعم بكافة أشكاله.

*مايكل سعادة هو دليل سياحي فلسطيني من سكان بيت صفافا/ القدس

زر الذهاب إلى الأعلى