أحوال شخصيةاجتماعياتفلسطين

الأرمن في القدس

لا يسعني البدء في هذا المقال إلا بإستذكار قول الشهيد القائد ابو عمار الى بيل كلينتون و يهود باراك: “انا اسمي ياسر عرفاتيان”! حين رفض التخلي عن الحي الأرمني في البلدة القديمة من القدس…

من هم الأرمن:

الأرمن هم شعب ينتمي إلى العرق الآري (الهند أوروبي)، ويعود وجودهم في أرض أرمينيا التاريخية، الممتدة في الأجزاء الوسطى والشرقية من آسيا الصغرى (تقع حالياً في تركيا)، إلى الألف الثالث ق.م، حسب الدراسات اللغوية والأثرية الحديثة والتقليد المتوارث القديم. وتمتد أرمينيا التاريخية إلى الشرق، من المنابع العليا لنهر الفرات وحتى بحر قزوين وإيران، وتحدها من الجنوب سلسلة جبال طوروس الأرمنية، في حين تمتد أرمينيا الصغرى إلى الغرب من منابع نهر الفرات. وتبلغ مساحة أرمينيا العظمى وأرمينيا الصغرى معاً، حسب بعض المؤرخين، نحو 358 ألف كيلومتر مربع، وهي تعادل نحو اثني عشر ضعف مساحة جمهورية أرمينيا الحالية.

الديانة:

تعد أرمينيا أول بلد اعتمد المسيحية كدين للدولة، وهو حدث يؤرخ تقليدياً في عام 301 م.

الديانة السائدة في أرمينيا هي المسيحية، والكنيسة الوطنية في البلاد هي الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية، التي تأسست وفق التقاليد الكنسية في القرن الأول على يد القديس تداوس والقديس برثلماوس وكلاهما من تلاميذ المسيح الاثني عشر، ولذلك تصف هذه الكنيسة نفسها “بالرسولية”. من ناحية الطقوس، للكنيسة طقوسها الخاصة المنبثقة من الحضارة والمجتمع الأرمني، غير أنها تندرج في عائلة الطقوس والليتورجيات الشرقية ،أي تلك التي نشأت في القدس ومن ثمّ ازدهرت في الرها. الكنيسة الأرمنية أيضًا عضو في مجلس كنائس الشرق الأوسط والمجلس العالمي للكنائس، ومن خلال هذين المجلسين، تتعاون مع سائر الكنائس والطوائف المسيحية.

ينتمي أكثر من 93% من المسيحيين الأرمن إلى الكنيسة الرسولية الأرمنية الأرثوذكسية، سواءً داخل أرمينيا أم خارجها. ونتيجة لحركات الاتصال مع الفاتيكان خلال القرون الأخيرة، نشأت طائفة الأرمن الكاثوليك عام 1712. غير أنها لم تستطع أن تنتشر انتشارًا ملحوظًا داخل أرمينيا، بيد أن عددًا من الشتات الأرمني في سوريا ولبنان وفلسطين قد انتسب إليها، ويقع مقر بطريركيتها في بزمار إحدى بلدات لبنان. هناك أيضًا أرمن بروتستانت، خصوصًا من المعمدانيين واللوثريين المشيخيين غير أنهم عمومًا أقلية ضئيلة.

مذبحة الارمن:

تعرض الارمن في عهد الدولة العثمانية إلى عدة مجازر، لعل أهمها المجازر الحميدية ومجزرة أضنة ومذابح الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى، حيث راح ضحيتها ما بين 500 الف وثلاثة ملايين ارمني.

في 24 نيسان من عام 1915 تم اعتقال أكثر من 250 من أعيان الأرمن في إسطنبول. وبعد ذلك، طرد الجيش العثماني الأرمن من ديارهم، وأجبرهم على المسير لمئات الأميال إلى الصحراء من ما هو الآن سوريا، وتم حرمانهم من الغذاء والماء. المجازر كانت عشوائية، وتم قتل العديد بغض النظر عن العمر أو الجنس، وتم اغتصاب والاعتداء جنسيا على العديد من النساء. وبسبب هذه المذابح انتشر الأرمن في سوريا، ولبنان والاردن وفلسطين.

الأرمن في فلسطين:

يعود وجود الأرمن في فلسطين إلى القرن الرابع الميلادي. وثمة اعتقاد أن وجود الأرمن في القدس كجماعة لم ينقطع منذ ذلك الحين. وقد لعب الأرمن في العصر الروماني دور التجار والحرفيين، وبرعوا في المهن المشتقة من هذا الدور. وفي أي حال كان الأرمن من أوائل الحجاج الذين أسسوا الخانات ومراكز الضيافة في فلسطين لاستقبال الحجيج.

ولم يغفل الرحالة الأوروبيون والعرب أخبار الأرمن عندما دونوا تفصيلات رحلاتهم، فأشاروا إليهم وأوردوا أخبارهم وذكروا كنائسهم وأديرتهم. فالرحالة «لوران دارفيو» (1635 ـ 1702) يذكر في رحلته إلى فلسطين ان في غزة كنيسة للأرمن. ويورد الكونت «دوفولني» في رحلته سنة 1785 ان في يافا ديرا للأرمن الأرثوذكس، وأن في عكا كنيسة لهم. أما «ألفونسو دي لا مارتين» (1790 ـ 1869) فيذكر في رحلته المشهورة إلى الشام التي قام بها أواخر العام 1832 ان في يافا عددا من الأرمن.

كان الأرمن في فلسطين الطائفة المسيحية الثالثة من حيث العدد والأهمية بعد الروم الأرثوذكس واللاتين. فالضريبة الجماعية المفروضة على سكان سنجق القدس من الأرمن سنة 1886 لقاء الإعفاء من الخدمة العسكرية في الجيوش العثمانية كانت قيمتها تعادل 260 دولاراً بأسعار تلك الأيام. في حين كانت 1217 دولارا للأرثوذكس و826 دولارا للاتين و56 دولارا للأقباط و37 دولاراً للبروتستانت و17 دولاراً للكاثوليك. وهذا يعني أن عدد الأرمن كان أكثر من عدد الأقباط والكاثوليك والبروتستانت، وأقل من الأرثوذكس واللاتين. وعلى هذا الترتيب جرى تقسيم الإشراف على كنيسة المهد في بيت لحم سنة 1856، أي بعد حرب القرم المشهورة سنة 1853، بين اللاتين والأرثوذكس.

كان يقطن القدس سنة 1893، بحسب الاحصاء الذي نظمته الدول العثمانية وقتذاك، 847 أرمنيا. وكان في يافا، في الفترة نفسها، 92 أرمنيا، فضلا عن أعداد غير محددة من الأرمن في بيت لحم والناصرة ويافا وعكا وغزة. وفي سنة 1945 كان يعيش في القدس وحدها خمسة آلاف أرمني، وقبل عام 1976، كان تعداد الأرمن في فلسطين حوالي 17 ألف نسمة وقد تناقص العدد تدريجيا. حيث وصل إلى ثلاثة آلاف أرمني في القدس قبيل الاحتلال سنة 1967، ولم يكد العام 1974 يطل حتى صار عددهم في القدس القديمة ألفي أرمني فقط. وفي عام 1985 تراجع العدد إلى 1200 أرمني فقط، واليوم النسبة لا تتجاوز ال 500 أرمني في القدس. وهذا التضائل يعود الى نزيف الهجرة الذي يهدد المجتمع الفلسطيني الناتج عن الاحتلال، وصعوبة ايجاد فرص عمل، واندثار العديد من الحرف المهنية التي يقوم بها الأرمن.   

يحتوي الحي الأرمني، أو ما يعرف بدير الأرمن، والذي تبلغ مساحته 300 دونماً، اي سدس مساحة البلدة القديمة، يحتوي مجموعة من البيوت كانت في السابق مأوى للحجاج وأصبحت لاحقا بيوتا مؤجرة للأرمن، إضافة إلى حيز للعبادة ومدرسة ومتحف وعيادة طبية. يتميز الموقع بكاتدرائية القديس يعقوب، حيث يعمل الأرمن بجهد للحفاظ على المبنى والاثار المقدسة التي تشكل قلب المجمتع الأرمني داخل الحي الأرمني، ويعود هذا الصرح إلى القرن الثاني عشر، ويحتوي على كنز من الأعمال الفنية و القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن. وحسب التقليد الأرميني، فإن من يعتنق المسيحية يتوجب عليه أن يحج إلى القدس مرة واحدة في حياته على الأقل. وعلى مر العصور حج إلى الأرض المقدسة الكثير من مشاهير ملوك وملكات الأرمن، ورجال دولة، وأمراء، وأناس من جميع الأوساط الاجتماعية، حاملين معهم هدايا تذكارية من بلادهم ليتركوا أثرا مميزا من الحضارة الأرمينية في القدس. ويعتبر الأرمن الحج إلى القدس بمثابة شرف عظيم يكفل للحاج منزلة اجتماعية مميزة.

كان من الطبيعي أن يختلط السكان الأرمن بالعرب لعدة أسباب، منها أنهم أتقنوا اللغة العربية وتكلموها كأهلها، وإن يكن مع لكنة خفيفة جدا بالنسبة إلى البعض منهم كانت موضع إعجاب المستمعين لها؛ ومنها مشاعر الإنتماء المصطلح عليها بـــ “الهوية”، ذلك أن وجود الأرمن بالقدس كان خلافا لمنطق وجود “الأقليات” في العالم كله. هم لم يشعروا بأنهم أقلية، ولم يتصرفوا كأقلية. وهم مع محافظتهم التامة على خصوصيتهم كشعب له تقاليده وعاداته وصفاته، وعلى تميزهم بتسميتهم كاغاكاتسي (Kaghakatsi)، وهذه كلمة تعني أرمن القدس المحليين، فقد تمكنوا من الإندماج بكل مناحي الحياة في القدس، بحيث ما كانت كلمة “أرمني” تعني إنتماء إلى جالية أجنبية. بإيجاز، كان الأرمني في مدينة القدس التي عاشت فيها غالبية الأرمن الفلسطينيين، كما كان في سائر المدن الفلسطينية، “أرمنيا” بكل ما في الكلمة من معنى، كما كان “فلسطينيا” بكل ما في الكلمة من معنى. وما نظر العرب الفلسطينيون يوما إلى الأرمن، إلا نظرتهم إلى أبناء وطن واحد. ولعل عطاء الأرمن الدائم في مجالات الثقافة والفن والعلم هو الدليل على اندماجهم الكلي في نسيج هذه المدينة العريقة.

الأرمن والسياسة:

انخراط الأرمن في السياسة متوا ضع نسبيا، ولكن هذا لا يعني أنهم بمعزل عنها، فشبابهم انخرطوا في العمل الوطني، وانضم عدد منهم تحت لواء الفصائل والتنظيمات والأحزاب السياسية الفلسطينية. كما وان أغلب الأرمن يدعمون فكرة حل الدولتين، وهم ضد الاستيطان، شأنهم في ذلك شأن باقي أبناء الشعب الفلسطيني، بل ويشاركون في مواجهته. والأرمن يرفضون رفضاً قاطعاً أن يبقى الحي الأرمني في القدس تحت السيادة الإسرائيلية، فهم من حيث المبدأ ضد تقسيم المدينة المقدسة، ويرون أنها يجب أن تبقى تحت سيادة وسيطرة أبنائها الفلسطينيين.

يعاني الأرمن، مثل غالبية المقدسيين، من سياسات الحكومة الإسرائيلية وبلدية القدس، كون الحي الأرمني ملاصق للحي اليهودي، ويحتل قسما ضخما من مساحة البلدة القديمة، بالرغم من قلة عدد السكان، الا ان تفريغه والاستيلاء عليه سيساهم، بشكل كبير بتوسيع الحي اليهودي. وبالإضافة إلى ذلك ، يقوم طلاب المدارس الدينية اليهودية بشكل شبه يومي بمضايقة رجال الدين الأرمن و يدنسون ممتلكات الأرمن بشكل متعمد. أما الشباب الأرمني، يجد فرص قليلة في التعليم أو العمل في البلدة القديمة في القدس، فيذهبون إلى الخارج للحصول على التعليم الجامعي، وعند رجوعهم للقدس يتفاجئوا أنهم فقدوا حقهم في الإقامة وقد سحبت هوياتهم، على الرغم من أنهم ولدوا في القدس وأسرهم يعيشون في القدس منذ عدة قرون. المعروف أيضا، أن البطريركية الأرمنية وظفت أموالها، إبان الانتداب البريطاني في الميدان العقاري، مما جعلها من أكبر ملاكي الأراضي في القدس. ولأن الحي الأرمني في المدينة يجاور الأحياء اليهودية الاستيطانية الجديدة، فقد نتج عن هذا الأمر، احتكاك دائم بين الأرمن واليهود. وحاولت السلطات الاسرائيلية إجبار الكنيسة الأرمنية على بيع الأراضي التابعة لها للتوسع في عمليات الاستيطان، وعمدت إلى مصادرة بعض العقارات، من بينها عمارة فندق فاست، التي هدمت ثم بيعت أرضها إلى شركة اسرائيلية أنشأت في مكانها فندقا جديداً. وأقامت البطريركية دعوى قضائية لدى محكمة الاستئناف الاسرائيلية العليا. لكن المحكمة لم تبت هذه القضية حتى الآن.

الكنيسة الأرمنية في فلسطين وقفت وقفات وطنية مشرفة ضد الاحتلال الاسرائيلي وضد قرار تقسيم فلسطين. ففي 3/3/1948 وجه ممثلو إحدى عشرة طائفة مسيحية في فلسطين نداء إلى الأمم المتحدة وإلى الهيئات العالمية الدينية والسياسية أعلنوا فيه رفض التقسيم وطالبوا باستقلال فلسطين دولة ديموقراطية يستطيع فيها الجميع، مسلمين ومسيحيين ويهودا، ان يشتركوا في الحكم. ووقعّ هذا النداء بطريركية الأرمن الأرثوذكس وممثلية البطريركية الأرمنية الكاثوليكية.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة أن الشاب الأرمني هاروت كولزيان الذي سقط في 11/8/1991 شهيداً من شهداء الانتفاضة في مدينة رام الله، حيث انطلقت مسيرة جماهرية حاشدة في حي الأرمن اندمجت فيها الهتافات الوطنية من جهة وصلوات الكهنة الأرمن من جهة اخرى، في مشهد مهيب جمع العرب والأرمن معا. 

تولى بعض أبناء الطائفة الأرمينية مناصب رفيعة في السلطة الوطنية الفلسطينية، منهم مناويل حساسيان سفير فلسطين في المملكة المتحدة، والأكاديمي ألبرت أغازريان الناطق الرسمي باسم الوفد الفلسطيني إلى مؤتمر مدريد سنة 1991م.

الأرمن المبدعين:

يتميز الأرمن بذكائهم الحرفي والصناعي، فهم أول من أسس مصنعا للسيراميك في عهد الانتداب البريطاني في القدس. حيث اشتهروا  بصناعة الخزف (المعروف بالسيراميك)، وهو فن قديم جدا في فلسطين، لكنهم هم الذين عادوا وأدخلوه إلى القدس، حتى بات من أجمل الحرف اليدوية التي تعتز بها فلسطين. تعلم الأرمن هذا الفن في شمالي تركيا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وطوروه حتى برعوا فيه واشتهروا به في القرن الثامن عشر، واختصوا بفنهم هذا كنائس ومتاحف عدة في العالم، وكان من الطبيعي أن يختصوا كنائسهم في القدس بنصيب كبير، حيث عملت اليد الماهرة بالنقش على حيطانها لوحات وآيات من الجمال، حيث رمم الحرفيون الأرمن ايضا مسجد قبة الصخرة الذي تكتسي جدرانه الخارجية بالسيراميك مضيفة جمالا غير عادي لبناء المسجد وفي اماكن اخرى من معالم المدينة الدينية.

اضافة الى هذا،  كان الأرمن أول من أحضر الكاميرا للقدس و أول من انشأ ورشة للتصوير فيها، وهم ثاني من أدخل الطباعة إلى فلسطين عام 1833م. كما انهم أتقنوا الخياطة وصياغة المجوهرات، ومنهم شيخ الصيادلة الفلسطينيين نوبار أرسليان الذي كان يصنع الأدوية بيديه. وقد عمل الحرفيون الأرمن على نشر هذه الصناعات في أنحاء مختلفة من الأراضي الفلسطينية. أما اليوم فيعمل معظم الأرمن في القدس في شغل وبيع المجوهرات، وفي صناعة آنية النحاس وزخرفتها، ويملك الكثير منهم متاجر لبيع الهدايا للسياح الوافدين إلى الأراضي المقدسة.

وكان الأرمن يسيطرون تقليدياً على قطاع صناعة الأحذية، لكن هذا القطاع راح يتقلص بسبب منافسة الأحذية الجاهزة الصنع، وبسبب مضايقات الاحتلال لقطاع الصناعات الفلسطينية بشكل عام في مدينة القدس.

هناك اليوم حوالي 100 طالب وطالبة مسجلين في المدرسة الابتدائية الأرمنية الموجودة داخل الحي. هذه المدرسة تم تأسيسها في عام 1929 وقد بدأت حديثا بإستقبال طلاب عرب من مدينة القدس ودمجهم مع الطلاب الأرمن، وهذا دلالة واضحة على انخراط الأرمن في المجتمع المقدسي ورغبتهم في لعب دور في بناء أجيال واعية تحافظ على جمال الفسيفساء المجتمعية في القدس…  

زر الذهاب إلى الأعلى