Uncategorizedالعالممقالات حصريةمناظرات فكرية

الى ماذا تشير وثيقة الفاتيكان حول المساءلة والشفافية؟

د. تغريد عودة*

بتاريخ 26 نيسان 2021 صدرت عن قداسة البابا فرنسيس وثيقة على شكل إرادة رسولية تهدف إلى الإرتقاء بمبادئ ومعايير الشفافية والمساءلة القانونية في نطاق المؤسسات العاملة والمرتبطة بالكرسي الرسولي وبدولة حاضرة الفاتيكان.

 ووفقا لهذه الوثيق، يتوجب على كل من يتولوون المناصب الإدارية والرئاسية من كرادلة أن يقدموا إقرارا عند بداية تسلمهم لمناصبهم وبشكل دوري كل سنتين يفيد بأنه لم تتم إدانتهم من قبل بإرتكاب جرائم الإحتيال، الفساد، التزوير، الإرهاب، غسيل الأموال، التهرب الضريبي، الإتجار بالبشر، إستغلال القاصرين، وسوء إستخدام السلطة سواء أكان ذلك داخل حدود دولة الفاتيكان أو خارجها. كما وأنه يتوجب عليهم تقديم نوع من الإقرار المالي بحيث يتم التأكيد على أن أموالهم ومكاسبهم تأتي فقط من خلال الأعمال المشروعة وبأنهم لا يمتلكون أموالا وإستثمارات حتى وإن كانت عن طريق طرف ثالث في دول قد يتم تصنيفها ضمن قائمة الدول الداعمة للإرهاب أو تلك التي يتم تدوير الأموال فيها.

د. تغريد عودة

ومن خلال هذه الإرادة الرسولية فإنه يحق لأمانة سر الشؤون الإقتصادية التحقق من صحة ما يتقدم به المعنيون من معلومات لحضرة الكرسي الرسولي، وفي حال ثبوت عدم دقة أو صحة المعلومات الواردة في الإقرار فإنه يجوز تسريح الموقع ومطالبته بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن المعلومات المغلوطة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن قداسة البابا فرنسيس قد أهاب بالمؤسسات والدوائر التي لا تخضع للنظام العام للكوريا الرومانية بضرورة تعديل أنظمتها وقواعدها وبما يتماشى مع ما جاء في الإرادة الرسولية وفي مدة لا تتجاوز التسعون يوما من تاريخ بدء سريانها.

بعد هذا التقديم أجد نفسي أمام سؤالين ملحين الأول يتمثلان في: ما الذي دفع قداسة البابا فرنسيس نحو إطلاق دعوة كهذه وفي وقت كهذا؟ والآخر يكمن في: هل من الممكن تطبيق هذا الإقرار على نطاق أوسع ليشمل كافة العاملين في المؤسسات والهيئات العامة والخاصة؟

وفي الإجابة عن هذين السؤالين تبرز ثلاث قضايا جوهريّة، أولها هو رغبة البابا فرنسيس وجديته في محاربة ومواجهة الفساد بأشكاله المختلفة، لا سيما أن المساءلة والشفافية تعدان عنصران مهمان لنجاعة وكفاءة العمل المؤسسي وخصوصا إذا كانت هذه المؤسسات تابعة للمنظومة الدينية. ثانيها: أن العالم يمر في وقت عصيب حيث استشرى الفساد وأصبح ظاهرة عالمية، وعانت الأمم كثيرا من تبعات التطرف والإرهاب وإقصاء الآخر، وتزعزعت ثقة الناس بالأنظمة ومن بينها االسلطات الدينية فجاءت الإرادة الرسولية دعوة كريمة لمكافحة التطرف والإرهاب والفساد، معالجته وكبح جماحه بكافة الوسائل المتاحة. أما ثالث هذه القضايا فيتمثل في إمكانية ورغبة المنظومة الدينية وعلى نطاق واسع يتعدى حدود دولة حاضرة الفاتيكان بتطبيق هذا الإقرار، وهنا أقول تشكل الوثيقة الصادرة عن الكرسي الرسولي دعوة حقيقية لجميع المجتمعات ولكافة الشعوب من أتباع الديانات المختلفة للسير قدما نحو تعزيز قيم النزاهة والإجراءات الكفيلة بالوقاية ومكافحة الفساد، لا سيما أن قضية كهذه لا يمكن مجابهتا من قبل جهة واحدة بل تحتاج إلى جهود جماعية مشتركة وعلى كافة الأصعدة .

أنهي مقالي هذا بما جاء في الكتاب المقدس وعلى لسان السيد المسيح للتشديد على أهمية قرار الكرسي الرسولي “من كان أمينًا على القليل، كان أمينًا على الكثير أيضًا” (لوقا 16، 10).

*****************************************************************

  • د. تغريد عوده دكتوراه في العلوم السياسية – منسقة برنامج الدراسات الشرق أوسطية في المجلس العالمي للبرامج الدولية في الاردن
زر الذهاب إلى الأعلى