المانشيت الرئيسيمؤسسات مسيحيةمقالات حصريةمناظرات فكرية

بلا حوكمة، يجمح القائد

بقلم: بطرس منصور

للأسف نسمع عن فضائح حول فساد أخلاقي او مالي في مؤسسات مسيحية وحتى في كنائس في الغرب وأيضا في بلادنا، ولا عجب في ذلك. فرغم القيم والمثل السماوية السامية التي تُنادي بها هذه المؤسسات، لكن يقودها بشر جبلتهم ساقطة وقد قال الكتاب المقدس “القلب اخدع من كل شيء وهو نجيس من يعرفه” (ارميا 17: 9). وهذا القلب النجيس ليس محصّنًا طبعًا من السقوط.

لقد وضع الكتاب المقدس مبادئ روحية لحماية ذلك القلب ولمحاسبة الانسان لنفسه ولعلاج ميله للخطية اذ ما طُبقت بمقدورها ضمان عمل القيادة دون فساد، ولكن لن نتطرق للنواحي الروحية الشخصية هنا. ولكن حيث ان الانسان عرضة للسقوط حتى لو تسامى روحيًا، سوف أتطرق لمبادئ ستساعدنا لنحمي القادة من أنفسهم. انها مبادئ مؤسساتية يتوجب تفعيلها في نظام الحوكمة المحدد، وهي بدورها قادرة ان تحصر وتقلل إمكانيات الوقوع في الخطأ.

ان من طبيعة الانسان ان يكون اناني فهو يبحث عن مصلحته الذاتية دون سواه وقد يكسر الأعراف والقوانين في سبيل رفاهيته او اشباع غروره او غرائزه، ولذا فان تفرده في القيادة دون رقيب، تجعله عرضة لملذات السلطة: المال، السيطرة، حب الظهور وغيرها. وهذا ليس حكرًا على مؤسسات مدنية ولكنه يسري على المؤسسات المسيحية ايضًا.

وقد رأينا ان النظام الهرمي عند الاكليروس في بعض الكنائس قد أدى لإساءة استخدام السلطة وإلحاق الأذى بالرعايا والاملاك. لكنه نظام اغلب الكنائس اعتمدته ووضعت بجانب القائد او السلطة الروحية العليا اجسامًا لمحاسبتهم. فالبطريرك مثلا ومثله المطران يخضعان لقيادة اعلى او لأجسام مراقبة ومما لا شك فيه انها تحتاج الى تطوير لزيادة نجاعتها وفعاليتها.

من جهة ثانية-فالكنائس ذات النظام الجمهوري (congregational) او المؤسسات المدنية او الكنسية هي الأخرى تحتاج الى نظام حوكمة منظم وواضح. فالميل الطبيعي المتأصل في شرقنا بأن نعمل ونتصرف “عالبركة” بإمكانه توريط الكنيسة او الهيئة. لست بصدد ابداء رأيي بخصوص أفضل نظام للعمل والخدمة (علمًا بان هناك تفاوت بينها في النجاعة وتحديد أي منها ادق واصح)، ولكن يتوجب بكل الأحوال خلق توازن بين الهيئات الداخلية في الكنيسة مع وضع ضوابط للحماية. ان منح السلطة العليا والمطلقة لقائد ما مهما علا شانه او عظمت مكانته، هو مدعاة للسقوط والانحراف عن العمل الصحيح.

ويتم التوازن عن طريق مبادئ الشفافية التامة في القرارات وتقديم التقارير والتقييم الموضوعي وايضًا تبديل من هم في مجالس رعوية ومجالس أمناء بشكل طوعي، لئلا يتمسكوا بها لسنين طويلة ولكيلا يعتبروا تلك الكنيسة او المؤسسة ملكهم الشخصي.

واحيانًا يشعر عضو مجلس إدارة هيئة ما او مجلس للكنيسة بعدم راحة بأن يطرح الأسئلة الصعبة لمن هم في منصب بسبب العِشرة او احيانًا وجود الأشخاص في ذات الكنيسة او ربما تربطهم علاقات عائلية او صداقة ما. كما يتوجب فحص اذما كانت هناك اجندات مخفية عند المراقب ومثله عند مدراء المؤسسة او قادة الكنيسة، ومن الضروري منع أي نوع من تضارب المصالح (مثلًا فوائد شخصية للفرد او لأقاربه او عائلته) -حتى لو من باب الحيطة والحذر ومنع أطراف خارجية من التشكيك في نزاهة من يعانون من تضارب المصالح المذكورة.

لكن الإخفاق في طرح الأسئلة او بالعمل المتيقظ يعتبر خيانة للأمانة فحينما يتعلق الامر بالكنيسة، فهي كنيسة الرب والأمانة تتطلب اليقظة في حمايتها. وحين نتطرق لهيئة عامة، فإخفاق عضو مجلس الإدارة او عضو لجنة مراقبة في أداء الواجب هو خيانة لعمل المؤسسة وللجمهور الذي تخدمه.

بدون الحوكمة التي تضع آليات لمراقبة عمل الهيئة التنفيذية، لا يمكن تنفيذ المراقبة. لا يستطيع أي انسان ان يقحم نفسه في عمل مراقبة مؤسسة او كنيسة دون تفويض وما دام دستورها لا يمنح آليات للعمل والمراقبة في سبيل الحفاظ عليها نقية دون شائبة. ان المراقبة والتقييم الصحيحين يمنعان اخوتنا واخواتنا من الفساد الذي قد يتسلل بواسطة القلب النجيس.

زر الذهاب إلى الأعلى