أحوال شخصيةمقالات حصرية

تحديات تواجه الأسر المسيحية في المشرق العربي

بقلم: د. تغريد عودة*

يقول القديس بولس الرسول أن علاقة الأزواج في المسيحية تشبه علاقة السيد المسيح بالكنيسة، فهي علاقة مبنية على أسس متينة، وفي هذا الصدد يقول القديس كليمنص الإسكندري “إن الزوجة تاج لزوجها والأبناء تاج للإثنين، والمسيح هو تاج الأسرة”. ويقول أيضا ” إن العلاقة بين الزوجين هي مشاركة الله في خلقه إنسان جديد على صورته ومثاله”.

يتبين لنا من خلال ما تقدم أهمية الأسرة في الديانة المسيحية، إلا أن المتفحص لواقعنا الحالي يجد أن المعاني والقيم الروحية والأخلاقية التي حباها الله للمكون الأسري أصبحت محل جدل واسع. فقد اهتزّت هذه القيم بفعل عوامل وتحديات كثيرة مما تسبب في خلق حالة من الفوضى، التشتت وعدم الاستقرار.  بالتالي وجب التوقف عند هذه التحديات والتي يمكن ذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر مثل التحديات ذات العلاقة بالإيمان، والتحديات المرتبطة بالبيئة التي تعيش فيها العوائل المسيحية.

أما فيما يتعلق بالتحدي الإيماني فتواجه الأسرة المسيحية في وقتنا الحالي تحدياً إيمانيًا لم يكن له حضور بارز في الماضي لا سيما بين فئة الشباب. إذ أصبحنا نلاحظ أن هناك ضحالة إيمانية فيما يتعلق بفهم المعنى الحقيقي للإيمان المسيحي وما يرافقه من ممارسات وسلوكيات عامة داخل نطاق الأسره وفي المجتمع بشكل عام.

إن الإيمان بالسيد المسيح وبتعاليمه الواردة في الكتاب المقدس يتطلب الذهاب إلى ما هو أكثر من مجرد ممارسة شكلية للطقوس الدينية والليتورجيا فالإيمان يتطلب فهم أصيل للعقيدة وعيش حقيقي لكل ما هو مرتبط بجوهر الديانة المسيحية. كما انه يتطلب فكر حقيقي يبتعد عن كل ما له علاقة بضحالة الفكر والجهل والسطحية في تفسير الإيمان المسيحي وعيشه.

وأما بالنسبة للتحديات المنبثقة من البيئة التي نعيش فيها- فالمجتمع المسيحي ليس بمعزل عن محيطه الذي بات يشهد نوعاً من الابتعاد عن القيم الإنسانية، الروحية والدينية، وغياب للحصانة العاطفية والنفسيه الداخلية بفعل مؤثرات وعوامل كثيرة. وقد يكون الإنفتاح الإعلامي والتكنولوجي الذي تغيب عنه الرقابة في كثير من الأحيان أحدها، الأمر الذي يتسبب في تعميق مشاكل الأسر المسيحية لا سيما فيما يتعلق بقضية التفكك والتشرذم الأسري. وهنا لا يمكننا إنكار حقيقة أن الأُسر المسيحية قد عانت في فترات مختلفة من ارتفاع حدة خطاب الكراهية والإقصاء الأمر الذي عزز وتيرة النزوح والهجرة.

وتوافقاً مع ما تقدم، أقول إن مستقبل الكنيسة في عالمنا العربي مرتبط برباط وثيق بمستقبل الأُسر المسيحية، لذلك فقد أصبح لزاماً على الكنيسة أن تبذل ما بوسعها من جهد لتمكين الأسر المسيحية، وان تضع الخطط والبرامج التربوية الكفيلة بتعزيز قدرة أفراد الأسرة الواحدة على التعامل مع التحديات والصعوبات التي يواجهونها، هذا فضلاً عن ضرورة العمل على إيجاد إعلام مضاد للتصدي لكافة محاولات نشر الكراهية وشيطنة وتكفير الآخر.

  • *د. تغريد عوده – دكتوراه في العلوم السياسية – منسقة برنامج الدراسات الشرق أوسطية في المجلس العالمي للبرامج الدولية في الاردن

زر الذهاب إلى الأعلى