مؤسسات مسيحيةمقالات حصريةمقالات مفيدة

شروط نجاح “إعلاميون ضد الكراهية”

بقلم: داود كُتّاب

من الجميل ما قام به سمو الأمير غازي بن محمد برعايته والموافقة على التحدث في افتتاح مؤتمر مجلس حكماء المسلمين، بالشراكة مع المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، المنعقد في عمّان بعنوان “إعلاميون ضد الكراهية” يومي 27 و28 الشهر الحالي، وبالتزامن مع معرض عمان الدولي للكتاب.

وبما ان المؤتمر  حسب ادبياته “يهدف إلى إيجاد اتجاه إعلامي عربي يؤمن بالمسؤولية الإنسانية للإعلام، ودوره في بناء الوعي الفكري ومواجهة الكراهية والتطرف والتمييز تجاه الآخر” فانني اود ان اقدم بعض الملاحظات حول كيفية التقدم في هذا المجال المهم.

لا شك أن أهم ما يمكن أن يقوم به الإعلاميون لمحاربة الكراهية هو الالتزام بمبادئ الإعلام المهني والمعايير الدولية للصحافة المستقلة.  فمن أساسيات العمل الصحفي المصداقية والعدالة في الطرح وضمان مشاركة كافة الأطراف بما في ذلك الجهات التي قد تكون في المعارضة.

لقد خلقت ثورة المعلومات فرصة لكل من يمتلك جهاز تلفون نقّال او حاسوب متنقل ان يصبح ناشرًا، ولكن تلك الفرص لن تخلق صحفيين مهنيين لهم متابعون مقتنعون بمصداقيتهم. قد يصل هؤلاء من خلال الإثارة إلى عدد كبير من المتابعين، ولكن الحفاظ على المتابعين واقناعهم بما يتم طرحه بحاجة الى مصداقية ومهنيّة لا يوفّرها سوى من يعمل على الأسس الصحفية المهنية.

وان كنا صادقين مع أنفسنا علينا الاعتراف بأن التطرف الديني هو أحد أهم مصادر الكراهية.وعندما نقول عبارة “التطرف الديني” فان الموضوع يشمل كافة الاديان وليس محصورًا بدين او عقيدة.

كما لا بد هنا من الحديث عن ضرورة خلق إعلام يتابع الامور الدينية. لقد أثرى موقع “ابونا” المتصفح العربي بالمعلومات الدينية وخاصة فيما يتعلق بالكنيسة الكاثوليكية واتباعها ونشدّ على ايدي الأب رفعت بدر لما يقوم به المركز ونأمل أن يتوسع العمل الإعلامي المتخصص في الشؤون الدينية.

وهنا لابد من التعليق على ضرورة دخول أشخاص مدنيين (أي غير رجال الدين) للتعامل مع الشأن الديني ومع كل ما يتعلق باتباع الديانات حيث أن العقيدة أمراً مطلقاً لمن يتبعها في حين أن العمل الصحفي متنوع ويوفر فرصة لكافة وجهات النظر وهو غير محتكر لرجال دين بصفتهم الدينية والجندرية.

يوفر الدستور الأردني حماية لكافة المواطنين دون تمييز حسب الدين حيث تنص المادة السادسة: “الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وان اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين”.

ولكن رغم الضمانات الدستورية فإن صعوبة الموضوع تتم مثلًا من خلال معالجة امور الاحوال الشخصية. فكما هو معروف فإن الحكومات في بلادنا المشرقية لا تسمح  بأن يتم عقد الزواج أو الطلاق أو الحضانة أو الإرث أو غيرها إلا من خلال محاكم دينية. ان حصر الأمور العامة في محاكم دينية يعني ان هناك كم كبير من الأمور الحياتية والتي يجب أن يتم مناقشتها بانفتاح وعقلانية. 

فالمعروف أن صاحب عقيدة ، أي عقيدة، يؤمن بها ولا يقبل أي تعديل أو تنازل عليها. ولكن الأمور العامة مثل الأحوال الشخصية هي أمور تهم الجميع ويجب مناقشتها بالتعاون مع الجهات الدينية ولكن ليس ابقائها محصورة فقط مع الجهات الدينية خاصة أن الفئات الأكثر تضررا” احيانا هي فئات صغيرة من الصعب أن يكون لها القدرة على التاثير على الراي العام او السياسة الوطنية.

وما يزيد من تعقيد هذا الأمر في الأردن وغيرها من الدول العربية هو وجود قيود إدارية وسياسية على الاعتراف ببعض الديانات والمذاهب، مما يترك اتباع تلك الديانات عرضه لصعوبات حياتية. فاذا كنت بهائياً أو درزياً او من اتباع الطائفة الإنجيلية في الأردن ,على سبيل المثال لا الحصر, فإنك مواطن بدون مرجعية تتعامل معها في شؤون الأحوال الشخصية.

لأجل تطبيق فكرة مناقشة العلاقة بين الإعلام والفكر الديني المتطرف (وللحقيقة – التطرف الديني موجود في كافة الأديان) من الضروري رفع غطاء التقييدات التي تضعها الحكومات والمجتمعات أمام مناقشة الجانب الإنساني والحياتي في موضوع الأديان. ان ذلك يتطلب فتح باب النقاش والاجتهاد لممثلي الفئات المختلفة والتخصصات المتنوعة. انه من الصعوبة مناقشة امور حياتية مثل الزواج والطلاق والحضانة وغيرها بدون وجود متخصصين في علم الاجتماع وغيرها من العلوم الإنسانية. فالمطلوب هو إدخال علم الاجتماع وخبراء في الأمور الحياتية بالتعاون مع القادة الروحيين والمفكرين من أتباع الديانات المختلفة للوصول إلى صيغة تفاهم في محاربة الكراهية المبنية خطأ على الدين والأمور الروحية.

مرة اخرى نبارك لمؤتمر “إعلاميون ضد الكراهية” ونأمل أن تتم مناقشة كيفية توسيع الفكرة للتعامل الأفضل صحفيا مع الامور التي تتسبب بالكراهية.

*الكاتب  صحفي عربي وناشر موقع “المغطس” الاليكترونية maghtas.com المتخصصة في الشؤون غير العقائدية للمسيحيين في الأردن وفلسطين والمهجر. 

زر الذهاب إلى الأعلى