أحوال شخصيةأرشيف مجلة المغطساجتماعياتاخبار مسيحيةالجليلشخصيات مسيحية

لماذا يتجه الفلسطينيون المسيحيون لدراسة الطب؟

بقلم: بطرس منصور

نشر موقع “المغطس” أسماء الأطبّاء الفلسطينيين العرب من مواطني اسرائيل الذين تمّ اختيارهم من قبل زملائهم في المستشفيات في لائحة أفضل الأطباء في البلاد لعام 2021 حسب مجلة فوربس العالمية.

 لا شك أن العدد صغير (33 طبيبًا من العدد الكلي وهو 1350 أي 2.5%) وبهذا تكون النسبة أقلّ بكثير من النسبة العامة للفلسطينيين في إسرائيل (وهي 21%). لكن ما يلفت النظر هو نسبة الأطباء الفلسطينيين المسيحيين من بينهم وهي النصف، بينما نسبة المسيحيين من بين كل الفلسطينيين من مواطنين إسرائيل هي 10% .

يضاف هذا المعطى الى ما قد نشر قبل عدة سنوات أن نسبة إقبال المسيحيّين الفلسطينيّين في إسرائيل على دراسة الطب هي ثلاثة أضعاف نسبتهم في المجتمع.

لماذا يهرول المسيحيّون الفلسطينيّون لدراسة الطب؟ ماذا يميّزهم؟ لماذا تتطابق الرغبة في ممارسة هذه المهنة مع هويتهم؟

 في البداية- أُشير الى انّ النّهضة العلميّة التي يمرّ بها مجتمعنا الفلسطينيّ عامة في داخل إسرائيل يُشار لها بالبنان وهي مباركة ولا تستثني أي مركّب من مجتمعنا الفلسطيني ولكن تحديد الطب كوجهة المسيحيين من بينهم أكثر من غيرهم تثير السؤال.

———————————————————————————————————————————-

مقالات اخرى للكاتب بطرس منصور

لقاء مميز مع الدكتور ماهر صموئيل حول النزاهة والمحاسبة

———————————————————————————————————————————

ثانيًا- ان الاحصائيات واضحة بما يتعلق بالفلسطينيين المسيحيين وانعدام أبحاث بهذا الشأن في مناطق أخرى لا نقدر الجزم إذا كان الأمر صحيحًا للمسيحيين الفلسطينيين في أماكن أخرى ولكن الانطباع العام عند كاتب هذه السطور هو ان الامر كذلك عند مسيحيين عرب في البلدان العربية ايضًا، وربما أبعد من ذلك.

اعتقد ان أسباب كون المسيحيين الفلسطينيين هم أكثر الفئات المجتمعية تعليمًا في إسرائيل نسبة لعددهم، يعود لقلّة عددهم ولكنهم أقلية دينية داخل اقلية قومية في إسرائيل. من هنا فهُم يتوجهون للدراسة لتثبيت أقدامهم اقتصاديًا (والأمر مشابه لحالة اليهود في أمريكا أو بلدان أخرى). وقد تيّسر المستوى العلمي المرتفع عند المسيحيين الفلسطينيين ونهل العلم والسعي للدراسة في الهند والسند، فيما تيّسر، بسبب وجود المدارس الأهلية الكنسيّة. لقد شعّت بنور العلم في مجتمعنا ابتداء من ظلمة غياهب الحكم العثماني الطويل الجائر على فلسطين- الأمر الذي منح المسيحيين تقدمًا ما.

لقد منح التقدم العلمي للمسيحيين ظروفًا اقتصادية أفضل بالمجمل من باقي فئات مجتمعنا ورفع نسبة المنتمين للطبقة الوسطى من بينهم، مما يتيح المجال لتمويل دراسة الطب لأبنائها وبناتها. بعد هذا الاستثمار طويل الأمد، وإن كان بشّق الانفُس، يصبح بإمكان المتخرجين والناجحين العمل في مهنة تمنح الاستقلالية الاقتصادية. في الوقت الذي تعاني إسرائيل من نقص كبير بالأطباء، يجد الكثير من الفلسطينيين ملجأ لهم في حياتهم المهنية. بخلاف مجالات مرتبطة بالجيش المغلقة طبعًا أمامهم، فان الأبواب مفتوحة أمامهم لدراسة الطب. وقد تبوأ كثير من أطباء وطبيبات عرب مراكز مرموقة في مستشفيات البلاد. 

لقد اقتضت المسيحية منذ نشأتها في نموذج حياة يسوع في فلسطين قبل الفي عام، اذ قام بشفاء المرضى بكافة انواعهم. ومع انتشار المسيحية في بقاع الأرض النائية عملت الإرساليات المسيحية بواسطة المستشفيات. إذ ضحّى الكثيرون والكثيرات في اعقاب سيدهم الذي سُمِّيَ الطبيب الأعظم، بواسطة الارسالية الطبيّة لمعالجة الأقل حظًا في المناطق النائية والمتخلّفة والمُهمَلة. من هنا كانت مهنة الطبيب والتمريض في “الشفرة الجينية المسيحية”، إن جاز التعبير حتى لغير المتدينين من بينهم. إن معالجة المرضى وتقديم يد العون الطبي للغير في أجسادهم الغالية عليهم هو أمر يندرج مع حب الله والناس التي ينادي بها الله.

للأسف يضاف لهذا الإقبال على دراسة الطب حالة المسيحيين في بلاد الشرق والتي تقودهم لتوخّي الحذر في مواضيع الدراسة التي لا تمنح من يرتادها إمكانية التنقل خارج حدود الوطن. في الظروف المتقلبلة في الشرق عامة والمسيحيين بدرجة أعلى نظرًا لكونهم أقلية دينية (وقومية في إسرائيل)، تجعل المسيحيين يبحثون عن جواز السفر المهني الذي يمنحهم فرصة الهجرة من الأوطان في حالة سوء الأحوال. فالطبيب في بلادنا يستطيع بسهولة نسبية السفر للخارج والعيش في بلاد المهجر والانخراط في العمل كطبيب هناك، بينما يستصعب ذلك من يتعلّم الحقوق مثلًا. فالقانون يختلف من بلد لأخرى وكذلك اللغة المتداولة في ممارسة المحاماة، بينما يسهل الأمر للطبيب (وايضًا مهندس او تقني الحاسوب الذي أصبح قِبلة لكثير من الشباب ايضًا) لغة العمل دولية ومشابهة في العالم بأسره. 

ليت الله يمنح شبابنا وصبايانا الإخلاص والمهنية، في المجال الطبي أو أي مجال آخر، لرفعة مجتمعاتنا كما يليق في رسالة الإنجيل التي نحملها.

*الكاتب محامي من الناصرة ورئيس المجمع الانجيلي في اسرائيل

زر الذهاب إلى الأعلى