العالم المسيحيتواريخ واحداثسياحة مسيحية

ِسِلَّم الزمن… والوضع الراهن في كنيسة القيامة!

بقلم: سايمون أزازيان

هل لاحظت يوماً السلم العتيق الذي يجلس فوق مدخل كنيسة القيامة في البلدة القديمة؟ لماذا هو موجود هناك وما القصة التي يرويها؟

للإجابة على هذا السؤال، علينا فهم خلفية الصراع على الكنيسة، حيث تعتبر كنيسة القيامة أهم الأماكن المقدسة التي يحج اليها المسيحيين من كل بقاع العالم، فحسب الايمان المسيحي، بنيت الكنيسة على مواقع هامة جداً ارتبطت بالساعات الأخيرة من حياة السيد المسيح. ففي هذا الموقع صُلب المسيح ودفن و قام من بين الأموات حسب العقيدة المسيحية، لذلك سميت بكنيسة القيامة. وتشترك ست طوائف مسيحية في هذه الكنيسة، منهم ثلاثة طوائف رئيسية: الروم الارثوذكس والأرمن الارثوذكس واللاتين الكاثوليك، و ثلاثة ثانوية: السريان، والاقباط والاحباش وهم ارثوذكس ايضًا.

منذ العهد الصليبي، نشب تنافس حاد بين الطوائف المسيحية (بالأخص الغربية والشرقية) للسيطرة على مرافق الكنيسة وتملّكها. وخلال العهد العثماني كثرت مطامع الدول الأجنبية في القدس بشكل عام وكنيسة القيامة بشكل خاص، حينما حاولت جاهدة كل دولة تثبيت طائفتها في كنيسة القيامة. وكان لا بد من إيجاد حل لهذه المعضلة، خاصة ان الصراع بين الطوائف اخذ بالازدياد وكانت المشاكل تتفاقم بشكل كبير حتى اصبحت شبه يومية، مما اضطر السلطان العثماني عبد المجيد في عام 1852م الى إلزام جميع الطوائف على قبول تسوية عرفت بإسم “اتفاقيات الوضع الراهن” او “الستاتيكو” بالعامية. ملخص الاتفاقية ان كل من يسيطر حالياً على موقع ما، يؤهله تلقائياً الإستمرار بالسيطرة عليه الى أجل غير مسمى… واذا وجدت عدة مطالبات من فئات مختلفة على نفس الموقع، حينها يجب موافقة جميعها على اي تغييرات في الموقع، مهما كانت طفيفة او كبيرة… وعليه بقيت الأمور كما هي… وهنا تأتي قصة السلم الخشبي، الذي اصبح مثال واضح على جدية الاتفاقية والإلتزام الصارم بها.

ليس عندنا تاريخ مؤكد لعمر السِلّم ومتى تم وضعه في هذا المكان، ولكن من خلال بحثي وجدت صورة قديمة للفنان كلاركسون فريدريك رسمت عام 1834 تُظهِر السلم في نفس الموقع الذي نشاهده اليوم. ووجدت أيضاً صورة للفنان المشهور ديفيد روبرتس من العام 1842 تُظهِر السلم نفسه. اما الصورة الثالثة وجدتها صدفة في متحف روكفيلر في القدس، ويعود تاريخها للعام 1857. ومن الملفت للانتباه ان الصورة التي رسمها روبرتس تظهر السلم بستة درجات، اما بقية الصور تظهر سلم بخمسة درجات، مما قد يرجح انه كلما تلف واهترأ وضع السلم يتم استبداله بسلم آخر… بينما يرجح البعض ان روبرتس قد أخطاء بالرسم وأضاف درجة من خياله!

مع تأكدنا ان السلم موجود منذ أكثر من 180 عام في هذا المكان، اصبح من الضروري محاولة معرفة الغرض من وجوده، ولمن ملكيته؟

في عهد الانتداب البريطاني، قامت الحكومة بتعيين مستشار يُدعى “كاست” ليقوم بتجميع اتفاقيات الوضع الراهن في كتيب حتى يكون هذا هو المرجع الرسمي للحكومة البريطانية عند نشوب الخلافات، لأن الوثائق العثمانية المرتبطة بالموضوع كانت مفقودة بحسب البريطانيين. فقام “كاست” بهذا العمل بمساعدة جندي عثماني سابق كان على معرفة بالاتفاقيات، وبعد عدة شهور اصدر كاست كتيب عرف باسم: الوضع الراهن في الأماكن المقدسة. في هذا الكتاب نقرأ ان الشباك الذي يرتكز عليه السلم هو ملك للطائفة الأرمنية، اما الجزء السفلي من السلم فيجلس على حافة تملكها طائفة الروم الارثذوكس، ولذلك السلم موجود في منطقة مُختَلف عليها، لذلك لا يحق لاي طائفة من التدخل في تغيير الوضع القائم وازاحة السلم!

اما سبب وجود السلم في الأصل في هذا الموقع، فهنالك اكثر من قصة ظريفة قد تكون واقعية او من محض الخيال.

يذكر الكاتب منتفيوري في كتابه عن القدس ان السلم موجود على حافة “البرندة” التي كان يستخدمها بطريرك الطائفة الأرمنية لشرب القهوة مع اصدقائه ويعتني بالورود الجميلة التي كانت مزروعة هناك، فيستعين به للنزول من الشباك.

بعض الكتاب يتفقون ان الغرض من السلم يعود للقرن الماضي حين كانت الصراعات موجودة بكثرة وكانت الحكومة العثمانية تجبر الرهبان اغلاق أبواب الكنيسة لفترات طويلة، فاستخدم السلم للحصول على الطعام والماء من خارج الكنيسة بواسطة الحبل.

قمت باجراء مقابلة مع السيد كيفورك كاهفدجيان صاحب محل التصوير (Elia Photography) في القدس القديمة، حيث يحتوي محله على صور قديمة قام والده بالتقاطها بعدسة كاميرته، واكد لي صحة الرواية المتوارثة من جيل الى جيل حول السلم:

“خلال العهد العثماني، حصلت خلافات كثيرة بين الطوائف، خاصة الأرمن والاتين، اوصبح الامر مزعجًا للسلطان العثماني، فقرر اغلاق الكنيسة لمدة ثلاثة اشهر مع بقاء الرهبان محتجزين في الداخل لحين إيجاد حلول لمشاكل الملكية والسيطرة. خلال تلك الفترة، قام الأرمن بوضع السلم في مكانه وكانو يستخدمون حبل لسحب الاكل والمؤن من خارج الكنيسة… وبعدها صدر قرار الوضع الراهن، وكون السلم في منطقة مختلف عليها، بقي في مكانه الى يومنا هذا”!

وهكذا بقى السلم معلقا في الزمن، يحكي قصصاً غريبة عن مدينة القدس، والصراعات الكثيرة المستمرة ليومنا هذا! وفي النهاية، بالرغم من صعوبة وجدية الوضع الراهن التي تنعكس بالسلم القديم، الا انه وبعد حوالي 200 عام، تمكنت الطوائف الرئيسية من روم ارثوذكس وأرمن ولاتين الاتفاق معاً لترميم القبر المقدس، والذي تم تدشينه في شهر نيسان من العام المنصرم، ليكون هذا الاتفاق بداية جديدة لعمل موحد جامع شامل، يقرّب الجميع ويمنح تناغمًا، لتبقى كنيسة القيامة جوهرة فريدة تضفي على المدينة المقدسة قدسّية وروحانية عطرة.   

زر الذهاب إلى الأعلى