العالمالعالم المسيحيفلسطينمقالات حصرية

وطن الحنين- من قلب فلسطينية في الغربة

بقلم: منال عبد الله خوري*

الناصرة- سان فرانسيسكو

طالما رأيت وقرأت عن معاناة المغتربين وآهاتهم، وكنت أسخر منهم في قلبي: “انهم يرفسون النعمة ويتبجحون!”

منذ نعومة أظافري وعيناي تتطلعان للعيش في الخارج، أحببت اللغة الانجليزية وعشقتها، أحببت التزامهم أمام القانون والإنسانية، أحببت وضوح هويتهم وفخرهم بعلمهم وشعاراتهم وحرية التعبير… لطالما جذبتني جملة :  the land of the free

بلد الأحرار…

ربما لأنها تلسع في ثناياها جرحا لا يندمل في النفس كوننا “عرب الداخل”.. أعتقد اننا الشعب الأكثر ارتباكًا وبعثرة في كل ما يتعلق بهويته وقوميته ووطنه! شعب منبوذ من العروبة أجمع، مكروه من الصهيونية، منفصم الشخصية، متعدد الديانات والسياسات والآراء… شعب حزين دوما.. حالم أبدًا.. محروم من عدّة نواح وعدّة مفاهيم.. أكبر احلامه هي أبسط حقوق الغرب…

أضف إلى ذلك الفوضى في النظام، في الاحترام والإلتزام والإخلاص.. فوضى في المراتب والمناصب.. فوضى في المسؤوليات والأولويات… اعتدنا الفوضى وأصبحت جزء من روتين حياتنا اليومي..اصبحت الفوضى نظامنا…اعتدنا على النفايات والقاذورات وأصوات الأبواق والصراخ والغبار… اعتدنا الغش والغدر حتى أصبح المستقيم منبوذًا! تستهوينا السخافات، والقيل والقال، ولم نعد نقدر ان نمسك أنفسنا عن الاشتباكات والعنف والشتائم والرذيلة… لربما وصلنا القاع في الذمة والضمير، والقاع قد ازدحم في وطني..

قد أتفهم ان كل هذه الأمور هي ناتج عن كوننا شعب مغدور ومنكوب ومكبوت، شعب يعيش على الأطلال.. يبكي على الماضي، يخاف بل ويتشاءم من الفرحة والسعادة..

نبحث عن الحزن ونتوسده، فتحت غطائه نجد السكينة والأمان… اعتدنا على العيش بتشغيل آليات الأمان والدفاع عن النفس من خلال الحزن والشؤم كي لا تستمر الصدمات بالتهافت علينا، حتى نتحاشى الألم برغم اننا وصلنا حدّ الخدر.. اعتدنا الألم لكنه لم يعتد علينا.. شعب نحتمي بالتشاؤم، بالفكر السلبي، بكبت المشاعر الجميلة وتبني الأسود.. نكره النجاح للآخر لأن ذلك يهزً ثقتنا وانجازاتنا ويُعلّي سقف التحديات أمامنا… شعب يرى نفسه دوما على صواب، نرفض المحاسبة من الآخر، ونتحاشى محاسبة انفسنا.. شعب يرتدي رداء التقوى والإيمان، ويحكم على الاخر من هذا المنظور.. شعب يحدد شرفه في غشاء البكاره

.. ويحدد مصيره في سلوكيات نسائه…

ويكثر الحديث عن شعبي… عن هويتي.. عن فوضى وطني وعن حلمي الطفولي…

واليوم… حققتُ هذا الحلم وجمعت كل شجاعتي وطاقاتي وأحلامي في جعبتي وانطلقت لبلاد الأحرار… لامنح أطفالي حياة افضل من تلك التي عشتها في بلاد تتقوقع على نفسها..

هنا… حيث النظام والاحترام والإنسانية، حيث يتحقق أية حلم، حيث تتمتع بالخصوصية.. هنا يصفق لك الآخرون لنجاحك، يدعمونك ويشجعونك… هنا حيث يخصص لكل بيت ثلاث حاويات للمهملات، حيث الشوارع نظيفة برّاقة، حيث يتمتع المرء بكل حقوقه الإنسانية البسيطة التي تُعتبر في وطني أحلام وتحديات ورغبات دفينة… هنا راحة البال، السكينة والهدوء، حيث الطمأنينة وحياة العائلة مقدسة لأبعد الحدود…

هنا… في بلاد الأحرار… عرفت… وأدركت…

كم أعشق وطني وأشتاقه..

في بلاد الأحرار فهمت واستوعبت بأن الوطن يسكننا ولا يسعنا ان نهرب منه.. نعشقه بكل سلبياته، بكل ثقله، وطن يلبسنا…

في الغربة تشتاق لسماع أحدهم يتحدث لغتك.. في الغربة تشتاق للغبار والضجيج والتحيات الصباحية في الشوارع.. تشتاق للصياح ولأصوات الأولاد تركض في الشوارع.. تشتاق لازمة السيارات.. ولثرثرة نساء الحي ورائحة المطابخ وصوت ام كلثوم يعبق ويتغنى…

في الغربة تدرك، أنك عاشق الوطن رغم أنفك..  تدرك أنك تفتخر بكونك عربي… بكونك فلسطيني أصيل! في الغربة يصغر حجم كل تلك الفوضى، كل الانفصامات والاستياءات، ويبقى فقط الحنين… ويكبر في أحشائك كالجنين…

في بلاد الأحرار تشتاق لقضبان زنزانة وطنك ولقيوده ومشاكله وعقده… في بلاد الأحرار تصبح كمن يرفس النعمة بحق!!!   

  • منال عبدالله خوري هي مستشارة تربوية من الناصرة-كفركنا وانتقلت مع زوجها وأولادها للسكن في الولايات المتحدة لعام على الأقل لضرورات عمل زوجها.
زر الذهاب إلى الأعلى