المانشيت الرئيسي

جميل عواد وعصبة الأوغاد

بقلم:   د. مهند العزة*

لم يدر في خلد فلاسفة العالم الذين أسسوا علم القيم المطلقة – الإكسيولوجي  (Axiology) الذي يبحث في قيم الحق والخير والجمال التي تميّز الإنسان وتَميْزه عمّا عداه من الكائنات غريزيّة التحكم؛ أنه سيأتي من بعدهم قوم يؤسسوا لعلم نظير هو علم “البَلْطولوجي” الذي يمجد الباطل والكراهية والشر والقبح ويجعل منها معياراً ينضبط عنده ولاء الفرد لهم وبراءه من كل من يختلف عنهم ومعهم.

في كل مرة يمر فيها الوطن بحدث ما تختبر عنده القيم والأخلاق، تصر حثالة المجتمع التي باتت قوية الشكيمة والشوكة على تأكيد إنتمائها لأصولها الفكرية الشاذة التي جعلت منها نوعاً جديداً من الكائنات لم يتناوله داروين في مؤلفه “أصل الأنواع”، تاركاً لمن خلفه من العالمات والعلماء فرصة تحقيق هذا السبق العلمي العظيم باكتشاف نوع قديم متجدد أخطأته عملية “الانتقاء الطبيعي” فنشأ وتطور من أصل سديمي معتم ملتهب طارد للنور والجمال مولّد للظلام والابتذال.

في أي مجتمع غير مجتمعاتنا وفي أي أدبيات سوى أدبياتنا؛ يمكنك أن تجد نقاشاً وتبويباً حول مشروعية أو جواز الترحّم على متوفى وطلب الراحة الأبدية له؟ أي أمّة على ظهر الكوكب سوى أمّتنا  يمكنها أن تنفق الوقت والمال للبحث في العبارات والكلمات التي يجب أن تستخدم في الحديث عن شخص ترك الدنيا ورحل؟ في أي مجتمع سوى مجتمعاتنا المأزومة أخلاقياً يمكن لطيف واسع منها أن يدعو لسبّ وذم من توفي والسخرية منه وهو في أجَلّ موقف عرفه الإنسان على الإطلاق؛ حيث التشييع والتأبين ومواراة الثرى؟

رحل عنا الفنان جميل عواد الذي أبدع وأمتع وعلّم من حوله كيف يكون الإخلاص في العمل وإتقانه، وكيف يكون المبدع مشعل ثقافة ونموذج في الثبات على المبدأ. وكما هي العادة، انجذبت خفافيش الكراهية لرائحة الموت فتتبعت جنازته ليس لتشييعه واستذكار عظمته وإسهاماته في تكوين الإرث الفني والثقافي للأردن، وإنما لإرهاب كل من أحبه –وهم كثر- ومنعهم من الحزن على فراقه وطلب الرحمة والراحة له. فنبشوا بمناقيرهم المعقوفة في صحائفهم وأخرجوا منها النفايات الأخلاقية التي تدعو إلى بغض المخالف حياً وميتاً ووجوب إظهار كراهيته وعدم جواز حضور جنازته أو الترحم عليه وذكر مناقبه.

موقع (إسلا ويب) التابع لوزارة الأوقاف القطرية الأشهر في إصدار الفتاوى أعاد التأكيد في فتوى حديثة https://tinyurl.com/ay8x64tk  على “حرمة الترحم على غير المسلم”، معتبراً ذلك من “الاعتداء في الدعاء”، مسترشداً بما ذهب إليه جمهرة الفقهاء والمفسرون، حيث أفتى رئيس هيئة كبار العلماء في السعودية الشيخ الراحل عبد العزيز بن باز بالحكم نفسه في أكثر من مناسبة https://tinyurl.com/zjtkyyfk. اما ومن حاول “الاعتدال” من الفقهاء مثل الشيخ الراحل نوح علي سلمان في فتواه المنشورة على موقع دائرة الإفتاء الأردنية https://www.aliftaa.jo/Question.aspx?QuestionId=2239#.YX7yrZ5Bw2w  فقد أجاز تعزية غير المسلم “شريطة عدم استخدام عبارات لا يجيزها الدين، والاكتفاء بعبارات مثل {يسلم راسك}..”، أي أن الشيخ يردد نفس المقال وينسج على ذات المنوال في تحريم الدعاء للمتوفى غير المسلم نفسه وطلب الرحمة له.

هذا فضح من نضح وفيح من فحيح لما تعج به كتب التراث ومواقع الإفتاء من تحريض على غير المسلمين والتفنن في إذلالهم وازدرائهم أحياءاً وأمواتا، فيكفيك من المتقدمين ابن قيم الجوزية في كتابه (أحكام أهل الذمة) https://al-maktaba.org/book/21747 ومن المتأخرين الشيخ الراحل محمد بن صالح العثيمين، عضو هيئة كبار العلماء السابق في السعودية في كتابه “الشرح الممتع على زاد المستقنع” https://al-maktaba.org/book/33939/3155 حيث يقول في باب (عقد أهل الذمة): “ويلزمهم التميز عن المسلمين، ولهم ركوب غير خيل بغير سرج بإكاف ولا يجوز تصديرهم في المجالس، ولا القيام لهم ولا بداءتهم بالسلام ويمنعون من إحداث كنائس، وبيع، وبناء ما انهدم منها ولو ظلما ومن تعلية بنيان على مسلم لا من مساواته له ومن إظهار خمر وخنزير، وناقوس وجهر بكتابهم وإن تهود نصراني أو عكسه لم يقر ولم يقبل منه إلا الإسلام أو دينه”.

الدعوات إلى الحد من خطاب الكراهية والازدراء على أساس ديني من خلال “حوار الأديان” والزيارات الإعلامية المتبادلة بين الشيوخ والقساوسة.. ورسائل التهنئة المتلفزة المتبادلة بين رجال الدين المسلمين والمسيحيين في الأعياد وايضًا إقامة وليمة إفطار يتحلق حولها المشايخ والرهبان، ان هذه -من وجهة نظري- هي حركات دعائية تنتمي لزمن الأبيض والأسود. وهي من بعد حيلة العاجز الذي أعياه حل الأزمة فلجأ إلى إنكارها أو التخفيف من جسامتها، وذلك كله لاستحالة صمود مثل هذه النشاطات الاستعراضية التخديرية في وجه خطاب أصولي متطرف تسنده نقول يقدسها أصحابها ولا يقبلون فيها جدالاً ولا تأويلا. وهنا يثور التساءل عن سر غياب المؤسسات الدينية صاحبة الحل والفصل عن هذا المشهد المخجل، فلماذا لم تخرج ببيان ينعى الفنان الراحل ويدين دعوات الامتناع عن الترحم عليه وعلى من سبقوه ومن سيلحقوه من أبناء الوطن وبناته من غير المسلمين؟ ألم تنبري تلكم المؤسسات بعزم وحزم لكل صاحب فكر ورأي مخالف حول خطاب أو خطبة أو حديث أو طريقة ممارسة نسك ما أو فحوى فتوى أو حتى لمجرد رأي في نص من نصوص قانون الأحوال الشخصية.. فأصدرت ضده بيانات وتصريحات الإدانة والشجب التي جاء بعضها -بكل أسف- متماهياً مع حملات تكفير وتنفير نظمتها وقادتها مليشيات رفض التنوع والحض على الإقصاء؟ مؤسساتنا الدينية مطالبة بأن تكون رأس الحربة في مقاومة خطاب الكراهية؛ أولاً وقبل كل شيء من خلال إعلان البراءة من النقول وتأويلاتها التي يقيم عليها تجار التطرف والإرهاب الفكري بنيانهم الذي يتعاظم يوماً بعد يوم ليعلو على كل قيمة حاجباً النور ساتراً الجريمة.

التمثيل والإخراج والتأليف والثقافة الراقية والمواقف الوطنية والعروبية الثابتة هي ما قدمه وتركه جميل عواد، فما عساه أن يكون إرث وحاضر ومستقبل من حرموا الترحم عليه وسخروا منه وهو بين يدي ربه من عصبة الأوغاد؟

  • الكاتب رئيس المجلس الاعلى للاشخاص ذوي الاعاقة الاردني

زر الذهاب إلى الأعلى