الأردنالمانشيت الرئيسيشخصيات مسيحية

كلمة سهيل مدانات في وداع شقيقه لبيب

في آخر أسبوعين كان لبيب في مهمة؛ والمهمة، للبيب، تعني شيئاً واحداً: خدمة يسوع. ودّع نصفه الآخر، كارولين، وودع الأولاد، وغادر إلى عمّان. جلس معنا، واحداً واحداً، واستمتعنا، ككل مرة، بهذه الطلة المبهجة، واستمتع هو. ثم زار القدس، مسقط رأسه وزهرة مدائنه، ثم ذهب إلى وُجهة الخدمة في العراق.

صباح الإثنين توجه من بغداد إلى النجف، وفي الطريق شارك بشارة الخلاص مع السائق. في النجف التقى مع فريق الخدمة، ليليان وجوناثان وأودري وليسلي وسافانا وعمر. تغدوا الشاورما وهو يخبرهم عن اختبارات خدمته الأخيرة، ثم ركبوا السيارة وتوجهوا لزيارة شخص بارز كان لبيب يتابعه. في الطريق ضربته نوبة قلبية فغاب عن وعيه، ثم أفاق بعد قليل بينما ليليان وجوناثان يحاولان إسعافه، وسأل: “ماذا حصل؟” فأخبراه ونقلاه إلى أقرب مستشفى. هناك ضربته نوبة ثانية أفاق منها بعد قليل، وفتح عينيه ورأى ليليان وجوناثان يمسكان بيديه. قالت له ليليان: “يسوع معك ولن يتركك”. أجاب بنفس طويل: “آميــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن” وأغمض عينيه. بعد لحظات أتته نوبة قلبية ثالثة ومرة أخرى أفاق منها، لكنه هذه المرة لم يرَ ليليان ولا جوناثان. رأى وجه يسوع المبتسم وهو يقولُ له أجمل َكلماتٍ تسوى الحياة من أجلها وتسوى الموت من أجلها:

“نِعِمَّا أَيُّهَا ٱلْعَبْدُ ٱلصَّالِحُ وَٱلْأَمِينُ. كُنْتَ أَمِيناً فِي ٱلْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى ٱلْكَثِيرِ. ٱدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ”.


فيديو الجنارة هنا


ختم لبيب حياته الفريدة هنا بكلمة “آميـــن” كما نختم كل صلاة، وحياته كانت صلاةً حتى آخر لحظة. بعد خدمة مثمرة في الصبا أنهى دراسته الجامعية ونال الماجستير في هندسة الري، وعمل بتفوق سنتين، وكان في طريقه إلى النجاح المهني عندما فاجأنا يوماً بقرار مصيري: “دعوتي أن أكون في خدمة السيد، في القدس”. ترك العمل وانتقل هناك خادماً في كنيسة الاتحاد المسيحي في البلدة القديمة حيث وُلد، ثم التحق بجمعية الكتاب المقدس. هناك في القدس التقى فتاة آتية من لندن، قلبها كقلبه، أحبت يسوع فوق كل شيء ولبت دعوته لتخدمه بين العرب الذين أحبتهم. هناك جمعهما صاحب الدعوة، يسوع، وبدأت ثمار اتحاد لبيب وكارولين تأتي: ماثيو، وكيتي، ورامي، وجاد، وتيموثي، ومعهم ثمار خدمة عمر غنية ليسوع بدأت من القدس، وملأت الدنيا بأكملها.   

القس سهيل عودة مدانات

هذا الأسبوع استعرضت حياة لبيب، أخي الأصغر، منذ الطفولة، ولا أبالغ إذا قلت بأني في حياتي لم أرَ شخصاً بنقاء قلب لبيب. لا أبالغ في هذا لأني سمعته هذا الأسبوع من كثيرين ممن عرفوه حول العالم وآخرها هذه الشهادة من مديرة إحدى المؤسسات العالمية: “لم أعرف شخصاً مثل لبيب يشبه يسوع”. لبيب عرف يسوع مبكراً في بيت عودة ومها الذي كان فيه يسوع الهواءَ الذي نتنفسه. أحب الناس بصدق نادر، وفوق الكل أحب يسوع من كل قلبه ومن كل نفسه ومن كل فكره ومن كل قدرته، فكان يسوع محور حياته وفرحَ حياته وكلَّ حياته. وصدقوني، ابتسامة لبيب التي عرفناه بها ولم تفارقه، أجملُ ما في وجهه، كانت ابتسامة حقيقية أصيلة نقية نابعة من القلب سببها حضور يسوع الفريد في حياته. أعطى حياتَه ليسوع بلا تحفظ، بالكامل، فملأ روح الله قلبه بغزارة من البداية، وفاضت بالثمار. وكوالده، احتقر لبيب سيد هذا العالم، المال. شبكة علاقاته اشتملت أصحاب البلايين، وكان بإمكانه جمع الملايين وبشرعية قانونية، وكان بإمكانه ملء العالم بتقارير إنجازاته. هذا ما فعله ويفعلُه غيرُه من خُدّامِ البطون، ثم يتركون الأرض ببطون مليئة عفنة وأيدٍ فارغة ليس فيها ما يقدمونه للسيد. لبيب ترك الأرض غصناً تغطية الثمار. هناك، ألبسه يسوع تاجاً أبدياً وأشار وهو يبتسم إلى كومة من هذه الثمار، وتعجب لبيب: “معقول؟ كل هذه يا يسوع استخدمتني فيها؟”.    

نطاق خدمة لبيب شمل شرقَ العالم وغربَه، شمالَه وجنوبَه، وحقق الكثير الكثير لانتشار كلمة الحياة. لكن خدمته تلك لم تأخذ طابعاً مؤسساتياً ناشفاً، بل كانت دائماً تأخذ طابعاً شخصياً حميماً ترك آثاراً عميقة في حياة كل من تعامل معه بنقائه وحبه وفرحه ومرحه واهتمامِه الشخصي بكل فرد، بالفقير المعدم كما بالغني المعظّم، لا فرق، وبعفويته الطبيعية وابتسامة وجهه وبساطة مظهره. وبهذه العفوية والبساطة نفسِها أغنى بمشورته الحكيمة كبريات المؤسسات العالمية التي كان رؤساؤها يطلبون مشورته ويثقون بحكمتها وصدقها. ساعد هو وكارولين كثيرين من مالهما الخاص المحدود سنوات طويلة بصمت وخفاء من دون أن يعلم أحد، ولا حتى نحن أقرب الناس. وروحياً كان، كوالده، يتكلم عن يسوع مع كل مَن يقابلُه، ولا سيما من أبناء الشعب القديم الذين كان لبيب كبولس يحمل لوعة بُعدِهم عن يسوع ويتقن لغتهم. كان شهادة تمشي على رِجلين، يشهد بشغف عن محبة يسوع مع الوزير ومع السائق، مع العسكري ومع المدني، مع الجار ومع التاجر، في الشارع وفي المطار، في الطائرة وفي التاكسي … وفي التاكسي الأخير. أنهى الرحلة وهو في الطريق إلى بيت حاملاً لأهله محبة يسوع وفرح يسوع. كله بصمت، بلا إذاعات، بلا أضواء، بلا تقارير … كله بقلب شبعان بحب يسوع، مليئاً بفرح خدمته والحصاد.  

في كل هذا، كان المصدرُ الأعظمُ للقوة والحكمة والفرح روحُ يسوعَ فيه. وكان المصدر الثاني على الأرض كارولين، وهي تعمل بصمت في الخفاء من خلف الستار، تدعم وتشجع، وتمدُّه بالقوة وبمشورتها الحكيمة، وتصلي. تولت مسؤولية الاعتناء بخمسة أولاد، أغلب الوقت وحدَها، وبكل حكمة وجدارة، بينما لبيب يجوب العالم. وفي الأوقات التي كان يقضيها معهم، ولا سيما آخر سنتين في ظل الوباء، كان يغمرهم بحبه ويزرع في قلوبهم مع كارولين شغف حب يسوع وخدمة يسوع.  

هذا ليس تعظيماً للبيب لأن الفضل ليس له، بل ليسوع الذي يسكن القلب المفتوح المحب ويجعله مشابهاً لصورة يسوع. لبيب ليس “أكبر من الحياة” لكن يسوع فيه أكبر من الحياة، وأكبر من الموت. ليس كثيراً على لبيب أن أقول كلمات قليلة عن حياة شبه بيسوع، حياة ثمر غزير عاشها في الخفاء.

فجر اليوم استقبلنا الجثمان وقلت لفيليب: فيليب، الراقد هنا ليس لبيب، بل الخيمة التي عاش فيها لبيب. لبيب في هذه اللحظات في مجد يفوق الوصف. يتجول في السماء وهو منذهل بجمالها العجيب، بجمال يسوع ومجده وبريق الحب في عينيه وهو يقبّل يديه وقدميه المثقوبتين، شاكراً فضله وخلاصه وميراث المجد الأبدي الذي اشتراه له بدماه، بينما ينتظر صوت بوق الأخير ومجد القيامة حين يعيد الله له جسده ممجداً بهياً لامعاً، جسداً حقيقياً من لحم وعظم كجسد يسوع المقام، ليحيا به إلى الأبد على الأرض الجديدة مع كارولين، وماثيو، وكيتي، ورامي، وجاد، وتيمي، ومع الوالد ومعنا، ومعكم محبي يسوع.

هذا الرجاء ليس أملاً واحتمالاً، بل هو حقيقة مؤكدة بقيامة يسوع المثبتة بالأدلة القاطعة. هذا الرجاء هو كل الحياة. من ليس له هذا الرجاء بالولادة الجديدة من روح المقام القدوس هو تعيس مهما بلغ مجده الأرضي؛ هو ميت وهو عائش، وبكلمات رب القيامة والحياة: “‏كَانَ خَيْراً لِذَلِكَ ٱلرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ”. لبيب يدعوك من بيت المجد: تعال، ولا تؤجل لأن الموت لا ينتظر. شيك الغفران والقيامة ومجد الحياة الأبدية مكتوب باسمك بدم يسوع. لا ترفضه. لا ترفض الحياة. يسوع مات عنك. لا تمت.

حياتنا لا تسوى شيئاً من دون يسوع ورجاء قيامة يسوع؛ هي بخار يظهر في الجو قليلاً ثم يضمحل. هذه الحياة ليست الحياة الرئيسية، بل هي فرصة قصيرة، ترانزيت، لنقبل فداء يسوع ونرث الحياة الحقيقية التي أعدها الله لنا على الأرض الجديدة. كيف كان سيبدو هذا الوداع من دون يسوع؟ الفرق شاسع بين وداع شخص ذاهب إلى موت أبدي وآخر ذاهب إلى مجد أبدي.

هل نحن في الوطن هنا ولبيب تغرب عنا؟ العكس تماماً: نحن في الغربة هنا، ولبيب في الوطن. نحن مغتربون ولبيب مستوطن. “فنَثِقُ وَنـُسَرُّ بِـٱلأَوْلَى أَنْ نَتَغَرَّبَ عَنِ ٱلْجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ ٱلرَّبِّ. لذَلِكَ نَحْتَرِصُ أَيْضاً مُسْتَوْطِنِينَ كُنَّا أَوْ مُتَغَرِّبِينَ أَنْ نَكُونَ مَرْضِيِّينَ عِنْدَهُ” (2 كو 5).

ولكثيرين من الخدام أقول: لنتعلم من حياة لبيب، وكفى! كفانا خدمة مطنطنة لبطون جائعة وعقد دفينة. لنشبع من يسوع ونخدم يسوع وحده خدمة نقية صادقة يراها ويقبلها ويرضى عنها ويفرح بها. ولنقل مع لبيب ما قاله في ختام مقابلة مع مجلة أجنبية قبل ثلاثة أشهر بعدما سألته الصحافية: “ما هي آيتك المفضلة؟” وأجابها: “حالياً آيتي المفضلة: ‏لِذَلِكَ وَنَحْنُ قَابِلُونَ مَلَكُوتاً لاَ يَتَزَعْزَعُ لِيَكُنْ عِنْدَنَا شُكْرٌ بِهِ نَخْدِمُ ٱللّٰهَ خِدْمَةً مَرْضِيَّةً، بِخُشُوعٍ وَتَقْوَى (عب 12)”.

عندما يسأل شخص شخصاً يحبه: “كيف حالك؟” يجيبه: “إذا أنت مبسوط أنا مبسوط”. كارولين، ماثيو، كيتي، رامي، جاد، تيمي، إذا سألكم لبيب الآن من المجد: “كارولين، كيف حالك وكيف الأولاد؟” ستقولين له: “لبيب، إذا أنت مبسوط نحنا مبسوطين”. ثم يأتي جواب لبيب من فوق: “مبسوط وبس؟ حبايبي، مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنـْسَانٍ مَا أَعَدَّهُ ٱللّٰهُ هنا لي ولكم … ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً”.   إلى لقاء قريب يا لبيب حول عرش الحبيب. 

English version

زر الذهاب إلى الأعلى