Uncategorizedالأردنالجليلالعالم المسيحيالمانشيت الرئيسيشخصيات مسيحيةفلسطين

آخر فنجان قهوة مع المحبوب لبيب مدانات

داود كُتّاب

See the English version here

ثلاث مرات تعثر لقاؤنا مع أن شقيق زوجتي كان معنا في نفس المنزل. كان يغادر صباحا ويعود في ساعة متأخرة. ولكنه في الأخير تحقق الموعد. عرضت عليه فنجان قهوة امريكي فلتر فرفض مصرّا أنه يريد قهوة عربية قوية.

جلسنا نتبادل القصص والتحديات والصعاب ونطرح الحلول وكان في منتهى السعادة. تحدثنا في السياسة وعن فلسطين وعن الأردن وعن العائلة وعن المستقبل وعن مجلة المغطس. وكان يسمع ويرد مقدمًا التشجيع هنا والنصيحة هناك. كنت سأسافر اليوم التالي إلى باريس وهو الى العراق.

قبل سبعة عشر عاما كان للبيب لقاء خطير مع الموت وهو في القدس. اذكر انه وصلتني مكالمة هاتفية مرعبة وانا في عمان من زوجته كارولين في القدس. قالت لي:” صلوا من أجل لبيب فحالته خطرة جدًا”. نقلت المعلومة لوالدته مهى عويس وشرعت هي وأصدقائها بالصلوات. 

قال لي سايمون أزازيان ،الشاب الطموح الذي كان لبيب قد وظفه بناء على توصية مني في جمعية الكتاب المقدس الفلسطينية ، أنه عندما علم بوضع لبيب ذهب لغرفة العناية المكثفة حيث كان لبيب مستلقيًا. يقول سايمون “كان لبيب يتألم.” كان الأطباء خلال محاولاتهم وضع جهاز تنظيم للقلب قد خرقوا حاجز القلب. ويقول سايمون ” وفي المه طلب مني لبيب أن اقرأ المزمور 23 الذي يبدأ “الرب راعي فلا يعوزني شيء” . بينما قرأته له، أغمض عينيه وكنت أتوقع انني اشهد مثالي الاعلى يترك ارضنا”.

ولكن لبيب بقي على قيد الحياة والرب استجاب للتضرعات ولم يتركنا آنذاك. الأطباء اعلموه ان حالة قلبه غير مستقرة وانه قد يحدث الأمر نفسه والنتيجة ستكون قاتلة. تم وضع منظم للقلب والتزم لبيب بالعلاج المقترح ولكنه والمقربين له كانوا على يقين انه يعيش في الوقت الضائع.

دروس وعبر من حياة لبيب مدانات

لم يتعامل لبيب مع الوضع بالانزواء أو بشعور بالشفقة الذاتية بل كرّس حياته وكل دقيقة إضافية أعطيت له لكي يخدم ويساعد وينصح ويمكّن كل من تعرّف عليه.

اعطانا الرب لبيب ل 17 عشر عامًا إضافيًا ولكن عندما جاء وقت الانتقال، لم يوفر لنا فرصة للتضرع لنجاته وكأننا أمام درس يتكرر في كل مكان ووقت- اننا على هذه الأرض مجرد سيّاح وان الحياة قصيرة تولي كغمضة العين.

استغل لبيب سنواته على الأرض ولم يبخل في تعامله مع احد. لم يفرّق بين سائق التكسي في الأردن او بغداد او الجندية إلاسرائيلية على الجسر او نادل في مطعم، فكان طبق الصورة عن والده طيب الذكر القس عودة مدانات يتحدث للجميع عن الأخبار السارة وعن ضرورة الاستعداد للقاء الخالق.

هناك من يتعامل مع أشخاص من خلفية أخرى أو من وضع مغاير ويتم مساعدتهم بصورة أتوماتيكية وكأنها وظيفة عمل. ولكن لبيب مدانات لم يعتبر هذا عملًا بل كان خدمه. لم تكن المحبة التي كانت في قلبه مزيفة بل كانت محبة صادقة نابعة من قلب محب لكل الناس. كان يتعامل مع الجميع: العربي والاجنبي، الفلسطيني والإسرائيلي، العراقي الشيعي والسني الأمازيغي في شمال افريقيا والكردي في أربيل. وكان أينما ذهب يعكس محبة صادقة ويشجع من يعرفه أو لا يعرفه بتنزيل تطبيق الكتاب المقدس على هواتفهم النقالة. وكان يساعد المحتاج ويدافع عن المظلوم في كل مكان دون أي تمييز.

إضافة إلى عشقه الاردن والهاشميين كان له شغف كبير للقضية الفلسطينية والسلام الحقيقي للشعب الفلسطيني والإسرائيلي. كما كان يهتم كثيرا بالعراق حيث كانت دراسته في كلية الزراعة بجامعة الموصل ، وعمل بالتعاون مع الكثير قبل وبعد الحرب الخليجية لمساعدة أهل العراق ودعم دور جمعية الكتاب المقدس هناك.

قبل سنة ونصف توقفت سفرات لبيب الدائمة بسبب جائحة الكورونا. وقد قال لنا انه كان أحلى وقت في حياته لأنه صرف أوقات طويلة مع زوجته كارولين وابنائه ماثيو عودة، وكيتي ورامي وجاد وتيمي. ولكن الآن وبعد تراجع حدّة الجائحة عاد برنامج السفر المكثف. فبعد زيارة الشرق الاوسط والعودة لبريطانيا كان من المفترض ان يقلع الى فيلادلفيا الامريكية وكان يفكر بأمور كثيرة في للمستقبل. لكننا كبشر قد نخطط كما نشاء، ولكن ذلك لا يندرج في مشيئة ربنا لحياتنا.

وفر الله لحبيبنا لبيب فرصة أخيرة لزيارة الأردن وفلسطين والعراق. التقى مع العديد وكان فخور بتطور عملهم وسعيد برؤية نشاطاتهم. قبل يوم من انتقاله، وصلتني رسالة من لاجئ فلسطيني في سوريا يتعرض لصعوبات فعرضت الامر عليه قال لي  أنه مهتم بالموضوع وسيعمل على إبلاغ مصادره به للمتابعة. وعندما أرسلنا له صورة عيد ميلاد والدته رد بالقول: “كل سنة وانتي سالمة ومغمورة بنعمة وفضل يسوع.”

كان من المفروض أن يتوقف لبيب لأربع ساعات في مطار الملكة علياء. وكانت زوجتي سلام، شقيقه لبيب، ستلتقيه قبيل استمرار رحلته لبريطانيا ثم الى الولايات المتحدة في أوائل كانون أول القادم. لكن يحضر لبيب بدلًا عن ذلك غد الخميس… ولكن روحه لن تكون مع الجسد بل هي مع ربه.

وفر الرب للعائلة والاحباء في نكسته الصحية السابقة المرة الماضية فرصة للصلاة لكي ينقذ الله حياته لكنها لم تتوفرفي المرة الحالية. لقد انتهى وقته هنا. وكأن الرب يذكّرنا اننا مجرد نزلاء على هذه الأرض.

 لقد ساهم لبيب في تطوير مجلة المغطس وقدم لنا ما نحتاجه من نصح وارشاد. ولكن المسؤولية تقع الآن علينا بأن نحاول تكملة المشوار الذي بدأه.

 سنفتقدك وسأفتقد صديق وشريك واخ أحتسي القهوة معه، وأخبره بكل ما يدور في مخيّلتي. ولكن الأهم ان لبيب ترك لنا صورة مشرقة وقدوة صالحة وذكريات جميلة لن ننساها.

من الصعب على العقل البشري قبول ما جرى وأن نقبل حرماننا من ابتسامته الجميلة وقلبه الحنون. ولكن الرب أعطانا 17 عاما إضافيًا تم الاستفادة منها وجاء الوقت لكي يتم نقل المسؤولية للآخرين.

كثير من الناس يعيشون سنوات طويلة بدون فائدة. لبيب استغل الوقت الذي أعطاه إياه الرب الى اقصى حد. كان لبيب عودة مدانات خادم أمين على الارض ونذكره ونذكر حياته والمثال الذي قدمه.

سيأتي يوم الحساب على كل منا ونحن واثقون أن السيد سيكرر للبيب ما تم ذكره في قصة الوزنات في الانجيل كما رواه التلميذ الأمين متى:

“قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ.”

زر الذهاب إلى الأعلى