الجليلمقالات حصريةمناظرات فكرية

من ينجدنا في الأجواء الروحية الصحراوية!

بقلم: بطرس منصور

“الجو الروحي” العام هو مصطلح يستخدمه خدام الانجيل للتعبير عمّا يشعرونه بالروح القدس ثم ما يختبرونه في الواقع من الاستعداد العام بين الناس لقبول رسالة الانجيل ولاستقبال واعتبار قيم الانجيل العامة في منطقة ما في وقت محدد. مثلَا بيت صيدا لم تَتُب رغم القوات التي صنعها الرب فيها (متى 11: 21) بالمقابل تدافع اهل نينوى ليقبلوا رسالة التوبة التي حملها يونان عنوّة (يونان 3: 5).

ان الأجواء الروحية ليست امرًا سحريًا اوغيبيًا، لكنه مرتبط بمدى استفحال الخطيّة في البلد ككل وسيادة مخافة الله فيها- على الصعيدين الفردي والعام. ان أجواء ابتعاد الناس عن مخافة الله ورفضهم لقيم الانجيل “واغلاق السماء” مرتبطون بحرية العبادة وبخطايا السالفين وبخلفية الدولة دينيًا وثقافيًا وبتحدياتها السياسية والاقتصادية وكل ظروف الحياة الأخرى.

هنا أورد كلمة تحذير ان الأجواء ورغم كونها حقيقة، لكن هذا لا يلغي ان يعمل الروح القدس بشكل معجزي في مناطق معينة لتغيير المناخ بأكمله دون سابق انذار (” الريح تهب حيث تشاء، وتسمع صوتها، لكنك لا تعلم من اين تأتي ولا الى اين تذهب. هكذا كل من ولد من الروح”- يوحنا 3: 8).

حين نتحدث عن الأجواء في بلادنا- اعتقد انها ليست أجواء روحية متقبلة للإنجيل. من جهة فإننا كمسيحيين فلسطينيين من مواطني إسرائيل، نتمتع بالحرية الدينية بشكل كبير إضافة لرفاهية اقتصادية نسبية التي نتمتع بها إثر الازدهار الاقتصادي بسبب التقدم العلمي والاقتصادي لإسرائيل. يمكن للمرء ان يناقش إذا كانت هذه الصفات سببًا لانفراج الأجواء الروحية ام العكس فتؤدي لبَطَر وتعظم معيشة واعتبار الحرية الدينية كشيء مفروغ منه لم ندفع قيمته، عكس الذين حاربوا في سبيل الحرية الدينية وناهضوا الاضطهاد الديني في أوروبا او امريكا مثلا.

من الجهة الثانية، ظروفنا- وان بدَت مقبولة-  لكنها ضمان للأجواء الروحية الناشفة لدرجة تشبيهها بالصحراء. فالخادم المسيحي النصراوي يعيش في بلد رفضت يسوع ولحقه أهلها الغاضبين الى حافة الجبل الذي بنيت مدينتهم عليه. اما الخادم التلحمي فيعيش في بلد لم يجد يسوع له مكانًا في المنزل فيها ولاحقًا فرّ مع اهله منها خوفًا من بطش الملك. اما المقدسي فيعيش في بلد فاقت زميلاتها فقتلت يسوع شرّ ميتة على صليب.

هل يمكن تجاوز هذا الثقل الروحي؟

ان كان ماضينا مضني فالحاضر شائك.

فدولتنا تحتل شعبًا آخر وتمارس ضده القمع المبغض في اعين الله. كما ان نسبة الطلاق كبيرة والاجهاض ضخمة والاباحية منتشرة في كل مكان. وان ننسى، لا ننسى العنف المستشري في الوسط العربي في البلاد الذي راح ضحيته حوالي مئة شخص منذ بداية العام حتى كتابة هذه السطور. هذه الحقائق تمس في الأجواء الروحية ولكنها ليست الوحيدة.

كوننا نعيش كأقلية قومية ودينية عددية صغيرة والهنا مرفوض من الأغلبية ونصارع على أكثر من صعيد، لا تساهم في توفير أجواء روحية طريّة. كما ونصارع في الأوساط المسيحية لدحر الفكر المتشبث بماضيه ويعتقد ببر ذاتي انه لا يحتاج ليسوع اليوم نظرًا لان اجداد حاملي هذا الفكر عاصروه وقد عاش في ازقّة بلدهم.

أضف الى ذلك ان بلادنا باتت مسرحًا لحروبات الطوائف المسيحية التي تبحث عن مداس قدم فيها بسبب كونها مسرحًا لحياة يسوع على الأرض. فإما يشترون الأملاك ويحاربون “لحقوقهم” في كنيسة القيامة مثلا او يتنافسون في ضخ الأموال لجذب المحليين لطوائفهم العالمية.

كما انها محط انظار عشرات ملايين المسيحيين كالمنصة التي سيسدل فيها ستار التاريخ البشري. يُترجَم هذا الاهتمام الى دعم سياسي يخلق ظلمًا لا يساهم في تقدم الانجيل.

ما عسى الخادم والمؤمن البسيط الساعي الى حمل رسالة الانجيل أن يفعل في أجواء روحية مكفهرة كهذه، ان جاز التعبير؟

ان ملاذنا الأول هو الرب نفسه. الى من نذهب سواه فبدونه لا نقدر ان نفعل شيئًا؟ انه هو القادر ان يكسر جمود عقم الأجواء الروحية بشمس البر والشفاء في اجنحتها.

لكن قبل ان نفعل ذلك –هناك شرط وهو ان نثبت في المحبة بعضنا لبعض فمن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه.  الرب يطلب ان نذهب لإخوتنا ونحبهم وندعمهم وهكذا نثبُت فيه وهكذا تذوب ثلوج الأجواء الروحية القاسية ونقتحم الحواجز التي تمنع وتحِدّ من رسالة الانجيل.

زر الذهاب إلى الأعلى