العالمالعالم المسيحيالمانشيت الرئيسيمقالات حصرية

ملاحظات عن خدمات الميلاد الرسمية للاقباط وللانجيليين في مصر

بقلم: بطرس منصور

شاهدتُ خدمتي عيد الميلاد للأقباط الأرثوذكس وللطائفة الانجيلية في مصر عبر التلفاز في الأيام الأخيرة. وتثير هذه الخدمات أسئلة في مجال علاقة الكنيسة مع الدولة يتوجب الوقوف عندها.

واضح ان خدمات الصلاة الرسمية في عيدي الميلاد والفصح اصبحتا أكثر من مجرد عبادة وصلاة للمسيحيين المصريين. فهي خدمات متلفزة تُبث بوسائل الاتصال المختلفة ويشاهدها الملايين، وتقدم رسالة للجمهور المصري وللعالم ككل – ليس رسالة روحية فحسب وانما رسالة سياسية عن علاقة المسيحيين بالسلطة في مصر. ولا نستخف بذلك، اذ لا ننسى ان المسيحيين في مصر (وعددهم بحسب التقديرات هو 10-12 مليون شخص) هو اكبر من عدد باقي كل المسيحيين في الشرق الأوسط. من هنا فما يجري خلال الخدمات الكنسية فيها ليس من شأن الكنيستين وحدهما.

يمر المسيحيون في مصر بفترة جيدة نسبيًا بعد اعتلاء السيسي للحكم (ودعم بابا الاقباط تواضروس المباشر والسريع له بعد الإطاحة بمرسي) بعد فترة الاقصاء والتهميش وحتى التنكيل من جماعات الاخوان المسلمين. فخطاب السيسي العام يلقى الاستحسان فهو يتحدث عن مصر لكل المصريين وعن دولة مدنية، ولا يكتف بالأقوال وانما يقوم باعمال جبارة في سبيل الرفعة الاقتصادية لمصر بعيدا عن خطاب التعصب الديني. ومن هناك يتوقع المرء ان تعكس خدمات عيد الميلاد بالتقويم الشرقي (وهو موعد احتفال الكنيسة المصرية) هذا التقارب بين السلطة وبين المسيحيين، ولكني اعتقد انها شطّت عن الاعتيادي والمقبول.

احتفال الاقباط الارثوذكس الرئيسي

فكما جرت العادة يحضر الرئيس السيسي لمعايدة الاقباط في خدمة عيد الميلاد في كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية الجديدة، وقام بذلك امس أيضا. طبعا يُشار لهذه اللفتة الرئاسية بالبنان، وكمسيحيين نحترم ونخضع لمؤسسة الرئاسة في حدود القانون والدستور وكلمة الرب التي تطالبنا بذلك على ان نطيع الله اكثر من الناس.

أرى ان خروج البابا تواضروس الفعلي من خدمة الصلاة ليستقبل الرئيس في موقف السيارات وليرافقه لداخل الكاتدرائية ولاحقًا توديعه بالمغادرة معه بالاتجاه المعاكس الى موكب السيارات هو امر مبالغ فيه. فالبابا يترأس صلاة بمناسبة عيد ميلاد ملك الملوك ورب الارباب ومخلص العالم. يسوع هو مركز العيد والعبادة له هي جل الاهتمام ويتوجب ان تبقى كذلك.

البابا يستقبل السيسي خارج الكاثدرائية

رغم الاعتزاز بلفتة الرئيس السيسي القادم للمعايدة وضرورة تطوير العلاقات مع السلطة في الظروف الخاصة لحياة المصريين، لكني لا استحسن “قطع” البابا لترأس الصلاة في سبيل استقبال الرئيس ولا تعطيل القداس في سبيل تقديم الرئيس- مهما علا شأنه- كلمة المعايدة القصيرة. لا ابالغ إذا قلت انها تعطي رسالة خاطئة وكأن خدمة العبادة تتراجع امام السلطة، وحتى تخضع لإملاءاتها وحتى لو لم تكن تلك هي نية الفاعلون. كمشاهد احسست ان التصفيق والزغردة المتواصلة خلال كلمة الرئيس داخل خدمة الصلاة زادت عن الحد حتى اضطر السيسي (وهو كما يبدو انسان متواضع ولكنه ليس خطيبًا مفوهًا) ان يذكّر الجمهور ان القوة والحماية هي من الله نفسه (كما يبدو بعدما هتف الجمهور لشخصه).

اعتقد انه يتوجب وبحكمة إعادة العجلة الى الوراء والامتناع عن هذه المظاهر. يتوجب الفصل بين خدمة الصلاة والعبادة وبين معايدات الرؤساء، مهما كان فضلهم كبير. الصلاة هي الصلاة وكلمات المعايدة والمجاملة والرمزية هي امر آخر. احترام الرؤساء واجب، لكن ليس على حساب توقيف خدمة الصلاة ومظاهر حماس وتصفيق وزغاريد وان كانت حقيقية.

احتفال الكنيسة الانجيلية

وقد سبق ذلك بيوم واحد خدمة الصلاة السنوية لاحتفال الكنيسة الانجيلية المصرية بمناسبة العيد، وعقدت هذا العام في كنيسة قصر الدوبارة في ميدان التحرير. وحسنا تفعل الطائفة الانجيلية اذ تعقد اجتماعها الاحتفالي في مبنى هذه الكنيسة الضخمة ذات التأثير الكبير. لقد استخدم الرب هذه الكنيسة في بث كلمة الانجيل على فم القس الدكتور سامح موريس ولفتحها المجال لانطلاق الدكتور ماهر صموئيل في تعليم ووعظ ثمينين. يضاف لاهميتها التزامن المبارك لعلاقة كنيسة قصر الدوبارة مع الثورة المصرية لموقعها الجغرافي المركزي وللدور الذي لعبته في إقامة مستشفى ميداني فيها.

وبدأت خدمة الاحتفال هذا العام بشكل لطيف بالترانيم الميلادية العذبة. تبعتها كلمة مناسبة وقوية وكالعادة تصل لقلوب الحاضرين والمشاهدين من مسيحيين ومسلمين على فم راعي الكنيسة المضيفة القس الدكتور سامح موريس. كان موضوعها- التواضع كما تجلى في الميلاد.

ثم تبعتها فقرة تلاوة طويلة للغاية لاسماء والقاب المهنئين من وزراء ومستشارين وحكام ونواب وعسكريين سردها رئيس الطائفة القس الدكتور اندريه زكي لمدة عشرين دقيقة. وتلك الفقرة المملة تنزع شعور الفرح الذي ارتقت اليه الكنيسة (والحضور الكبير أيضا على مواقع التواصل والذين يشاهدون الخدمة ببث حي) بعد فقرة الترانيم ومشاركة الكلمة. ونفهم هنا ايضًا الضرورة للتواصل مع الشخصيات الرسمية من الضيوف وممن أرسلوا برقيات المعايدة واعطاءهم حقهم ، ولربما ايضًا الاستفادة من المعايدة لبث ثقافة قبول الغير بينما يستمر بعض المتعصبين بالدعوة لتحريم المعايدة لغير المسلمين. كما انها فرصة لكسب ود هذه الشخصيات في النظام المصري الذي ما زال يعتمد على حسن نية هذا المسؤول او ذاك لنيل الحقوق. لكن هذه التلاوة الرتيبة للأسماء لا تناسب خدمة صلاة واحتفال العيد، ولربما امكن كتابة الأسماء وعرضها على الشاشة بعض انتهاء خدمة الصلاة الاحتفالية. نعي ضرورة إعطاء الحضور من الضيوف المسؤولين ذوي الشأن أماكن الجلوس الأولى في الكنيسة ولكن عددهم الذي يعد بالمئات يعطي الانطباع بوجود مقامات ومراتب وتعارض روح الانجيل التي حذّرت من محبة المجلس الأول في المجامع (لوقا 11: 43). من جهة أخرى فان كثرة عددهم تشير الى ان سياسة السيسي المنفتحة البعيدة عن التزمت الديني اصبحت تتوغل في أروقة الحكم وكثيرون يرغبون بإرضائه عن طريق مشاركتهم في احتفالات المسيحيين. يتوجب إيجاد التوازن بين هذا وذاك.

جانب من جمهور الضيوف في احتفال الكنيسة الانجيلية

بعد التلاوة الطويلة للأسماء شارك القس الدكتور اندريه زكي بكلمة روحية جميلة هو الآخر. والقس زكي استهلها بعبارة نادرة تدل على فهم ووعي ومسؤولية عميقين كرئيس لمجمع الكنائس الانجيلية في مصر. اذ شكر الله لأجل تطعيمات الكورونا وحث الناس على اخذها. والقس زكي هو كاتب ومفكر وكلمته جاءت سهلة وسلسة وجميلة لتناسب الحضور فتحدث عن المخاطر التي واجهها المسيح وقابلها مع مخاطر المؤمنين في أيامنا.

القس الدكتور اندريه زكي

رغم عمق وبساطة كلمة القس زكي بذات الوقت، لكن اعتقد انه كان بالإمكان الاستكفاء بعظة واحدة (منه او من القس سامح موريس) بدل الاطالة الزائدة بالذات بوجود هذا العدد الهائل من الضيوف واغلبهم من غير المسيحيين.

بكل الأحوال- كل عام وأنتم بخير ولنذكر ترنم الملائكة “المجد لله في الاعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسّرة”، فتجسد الله وميلاده في بيت لحم هو سبب احتفالنا.

زر الذهاب إلى الأعلى