مقالات حصرية

هل يستمر الشتاء لكن دون عيد الميلاد؟

بقلم: بطرس منصور

مع نهاية العام الميلادي المنصرم تذكرت مقولة جاءت في قصة “الأسد والساحرة وخزانة الملابس”. تحكي القصة، لمؤلفها سي اس لويس، عن اربعة اخوة (اخوين وأختين) عاشوا في بيت مترامي الأطراف في الريف خلال الغارات الجوية على اليابسة في إنجلترا في الحرب العالمية الثانية. ارسلهم إليه والديهم للبقاء به تحسبًا من إصابة بيتهم في لندن بقذيفة المانية. في هذا البيت الضخم تتجول الأخت الصغرى (لوسي) في ارجائه لتستكشفه، فتسمع ضجيجًا في الرواق فتتسلل الى خزانة ملابس عملاقة للاختباء، فتجد نفسها في مملكة من الاساطير اسمها نارنيا تحكمها ساحرة بيضاء شريرة. لاحقًا ينضم لها اخوتها ويندمجون في قصة خلاص تلك المملكة من الحكم الجائر بواسطة موت الأسد اصلان وقيامته لاحقًا. وتزخر القصة التي أصبحت من الادبيات الكلاسيكية المسيحية في الرموز عن قصة يسوع وفدائه للبشر.

خلال مجريات القصة تصادق لوسي مخلوقا هجينا من نصف رجل ونصف حيوان هو السيد تامنوس والذي يأخذ بشرح الحال في نارنيا للوسي ويتقن الوصف حين يقول ” ان فصل الشتاء هنا قائم طوال السنة، دون قدوم ابدًا لعيد الميلاد”.

بتأثير مركز الثقل التقليدي للمسيحية في أوروبا وامريكا (والذي انتقل اليوم لأفريقيا وشرق آسيا) – ارتبط عيد الميلاد في صور الثلوج التي تكسو المعمورة بينما يمر سانتا كلوز على زلاجته التي يجرّها غزال مفتول العضلات رغم ان الشتاء في بيت لحم في فلسطين في نهاية كانون اول ليس في تلك القسوة، واجمالًا لا يشمل هطول الثلوج.

كشرقيين نتوق لندف الثلج، ولو قليلًا، فنبتهج بمد الله سجادة ثلج بيضاء في الجبال والهضاب والسواقي والوديان. وحين يكسو الثلج الأرض يتحول الكبار اولادًا مفعمين في الحيوية والمرح والطاقة لذلك المنظر. لكن تراكم ثلج كثير واستدامته تثيران المشقة. فالثلوج على الارض تحدد التنقل وتجعله مهمة عسّرة كما يرافقها هبوط درجات الحرارة وبرد شديد يعاني منه كل من لم يضبط الدفء في بيته. رغم ان الدول ذات الشتاء الطويل والبرد والثلج هي في غالبها دول غنيّة ومتطورة، لكنها تتميز بانتشار شعور الاكتئاب بين المواطنين وبالتالي ارتفاع نسبة الانتحار والادمان على الكحول والمخدرات على انواعها.

وما ان ينتهي موسم الميلاد للطوائف الشرقية في نهاية هذا الأسبوع، نكون قد أكملنا موسمًا لأكثر من شهر من الاحتفالات البهيجة فيتثاقل المسؤولون في اللجان الشعبية والكنائس وربات المنازل في فك شجرة العيد، لعلنا نستطيع ان نمد قليلًا ونكسب بضعة ايام اخرى من الزينة الممثلة لذلك الموسم المبارك الفياض بالفرح.

إن أردنا ان يستمر العيد في معناه الروحي ولا نعود ادراجنا الى شتاء قاتم دون ميلاد- عندها يتوجب ان نترك طفل الميلاد بيننا ليعيش في بيوتنا ويرافق حياتنا. عندها لن يبقى الطقس شتاء دون عيد ميلاد. بدلًا من ذلك- نعيّد الميلاد، في المعنى المجازي، طوال العمر.

ان الشتاء المستمر يمنع نمو النباتات ويصيب رواده بالكسل والخمول ونادرًا ما نرى الشمس والنور. اما عيد الميلاد فهو عيد ثمر ونمو ونشاط ففيه تأنس ابن الله، لامست السماء به الأرض وتحركت الكائنات لترى المخلص وهو وقت تلاشى به الظلام اذ أبصر فيه الشعب السالك في الظلمة نورًا عظيمًا.

هل نعود لشتاء قاتم ام نترك شمس البر بيننا فيبقى عيد الميلاد على ما فيه من فرح وامل للناس، لكل الناس؟

زر الذهاب إلى الأعلى